

تصاعد أسعار شرائح الذاكرة، والطلب الهائل على وحدات معالجة الرسومات GPUs، وارتفاع تكاليف الطاقة، والتوسع غير المسبوق في مراكز البيانات، كلها ضغوط تؤثر على الكلفة الحقيقية للذكاء الاصطناعي.
أما الطاقة، فقد أصبحت هي الأخرى أحد أهم مكونات معادلة الذكاء الاصطناعي، وتشير Anthropic إلى أن تدريب نموذج متقدم واحد قد يحتاج قريبًا إلى قدرات كهربائية تقاس بالغيغاواط، وأن قطاع الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة سيحتاج إلى ما لا يقل عن 50 غيغاواط من القدرة الكهربائية الإضافية خلال السنوات المقبل، وهذا له تكلفته.
ويظهر حجم الاستثمار المطلوب بصورة أوضح في اتفاقات البنية التحتية الجديدة، فقد حصلت Anthropic، على سبيل المثال، على أكثر من 300 ميغاواط من القدرة الحاسوبية في صفقة واحدة، تشمل أكثر من 220 ألف وحدة Nvidia GPU، إضافة إلى اتفاقات أخرى تصل إلى عدة غيغاواط مع Amazon وGoogle وشركاء آخرين.
فعلى سبيل المثال، تتوقع OpenAI إنفاق نحو 600 مليار دولار على الحوسبة حتى عام 2030، بينما تضاعفت تكلفة تشغيل نماذجها وفق بيانات نشرت في 2026 عدة مرات خلال عام 2025، وانخفض هامشها الإجمالي المعدل من نحو 40% إلى 33%.
لكن هناك قوة معاكسة لا يمكن تجاهلها: التكنولوجيا نفسها تصبح أكثر كفاءة باستمرار، ففي يوليو 2026 خفضت OpenAI سعر أحد نماذجها بنسبة وصلت إلى 80%، مستفيدة من تحسن كفاءة الحوسبة والمنافسة بين المزودين.
وهنا تحديدًا تكمن المعضلة.
فقد تنخفض كلفة «التوكن» الواحد، بينما ترتفع الكلفة الإجمالية التي تتحملها المؤسسة، لأن استخدام الذكاء الاصطناعي يتوسع بصورة أكبر بكثير، الموظف الذي كان يستخدم نموذجًا عشر مرات في اليوم قد يصبح لديه وكيل ذكي يقوم بمئات أو آلاف العمليات بصورة آلية.
كما أن المنافسة لا تدور فقط بين الشركات، بل بين مدرستين مختلفتين: النماذج المغلقة التي تقدم خدمة متكاملة، والنماذج المفتوحة التي تمنح المؤسسات قدرة أكبر على الاستضافة والتخصيص والتحكم في التكلفة.
وكل هذه العوامل تؤثر مباشرة في الكلفة المستدامة للذكاء الاصطناعي.
ومن هنا تظهر مشكلة أخرى أكثر خطورة: قرارات استبدال الموظفين.
فإذا قامت مؤسسة بحساب جدوى الاستغناء عن عدد من موظفيها باستخدام أسعار الذكاء الاصطناعي الحالية فقط، فقد لا تكون حساباتها دقيقة على المدى الطويل، يجب أن تدخل في النموذج احتمالات تغير الأسعار، وزيادة حجم الاستخدام، والحاجة إلى نماذج أكثر تطورًا، وكلفة الطاقة والبنية التحتية، إضافة إلى الإشراف البشري والأمن السيبراني والمتطلبات التنظيمية.
بمعنى آخر، لا ينبغي أن يكون السؤال:
كم يكلف الموظف اليوم مقارنة بالذكاء الاصطناعي اليوم؟
بل: كم ستبلغ الكلفة الإجمالية لكل منهما خلال خمس أو عشر سنوات، وفي أكثر من سيناريو محتمل؟
فمن المتوقع أن يعود عدد من الموظفين الذين تم تسريحهم عادوا لاحقًا للعمل لدى الشركة نفسها، في ظاهرة يشار إليها أحيانًا باسم “Boomerang Hiring”، ولا يعني ذلك أن جميع هؤلاء أعيد توظيفهم بسبب فشل الذكاء الاصطناعي، لكنه قد يكون مؤشر مهم إلى أن قرارات خفض العمالة قد تكون أحيانًا أسرع من قدرة المؤسسة على إعادة تصميم العمل بصورة صحيحة.
وهذا لا يعني أن الذكاء الاصطناعي لن يستبدل وظائف، من شبه المؤكد أنه سيستبدل بعض المهام وبعض الوظائف، كما سيغير شكل وظائف أخرى ويخلق وظائف جديدة.
لكن الخطر يكمن في التعامل مع عملية الاستبدال باعتبارها قرارًا تقنيًا بسيطًا وليس قرارًا اقتصاديًا طويل الأجل.
فالاستغناء عن الموظفين له تكلفة، وإعادة توظيفهم لاحقًا لها تكلفة أخرى أكبر: تعويضات نهاية الخدمة، وفقدان الخبرة المؤسسية، وإعادة الاستقطاب والتدريب، وتراجع الإنتاجية خلال فترة الانتقال.
وقد أشارت بيانات نقلتها Axios إلى تقديرات تفيد بأن الشركة قد تنفق نحو 1.27 دولار مقابل كل دولار توفره من عمليات التسريح عند احتساب بعض التكاليف غير المباشرة المرتبطة بها.
وهنا يصبح احتمال ظهور موجة معاكسة أمرًا يستحق الدراسة: شركات تستغني عن موظفين اعتمادًا على افتراضات متفائلة حول الذكاء الاصطناعي، ثم تكتشف بعد عام أو عامين أنها تحتاج إلى إعادة جزء منهم.
وقد رأينا نمطًا مشابهًا، وإن كان لأسباب مختلفة، مع العمل عن بعد، فبعد أن اعتقدت شركات كثيرة أن نموذج العمل الجديد أصبح دائمًا، عادت مؤسسات كبيرة لاحقًا إلى فرض الحضور إلى المكاتب بصورة جزئية أو كاملة.
لكن العودة عن قرار يتعلق بالعمالة بعد الاستغناء عن آلاف الموظفين قد تكون أصعب وأكثر تكلفة بكثير.
صحيح أن تطور التكنولوجيا سيؤدي إلى انخفاضات كبيرة في تكلفة بعض أنواع الذكاء الاصطناعي، وأن المنافسة ستوفر نماذج اقتصادية مناسبة لكثير من الاستخدامات، لكن في المقابل هناك ضغوط تصاعدية على الذاكرة، والطاقة، والبنية التحتية، والنماذج المتقدمة، والامتثال التنظيمي، إضافة إلى احتمال تضاعف حجم الاستخدام نفسه.
لذلك فإن محاولة التنبؤ باتجاه واحد للأسعار قد تكون هي الخطأ الأساسي.
المطلوب من الشركات ليس أن تراهن على أن أسعار الذكاء الاصطناعي سترتفع، ولا أن تراهن على أنها ستنخفض.
المطلوب أن تختبر قرارها في الحالتين.
فإذا كان مشروع استبدال الموظفين بالذكاء الاصطناعي مجديًا فقط عند مستويات الأسعار الحالية، فهو مشروع يحمل مخاطرة اقتصادية مرتفعة.
أما إذا ظل مجديًا حتى مع تضاعف الكلفة، أو زيادة الاستهلاك عدة مرات، أو الحاجة إلى الاحتفاظ بجزء من العنصر البشري، فإن القرار يصبح أكثر متانة.
اقتصاديات تكنولوجيا المعلومات والبرمجيات كانت تخضع، طوال عقود، لنماذج مستقرة نسبيًا وضعتها بيوت الاستشارات واستخدمها مسؤولو التقنية والمالية في دراسة التكلفة الكلية للملكية والعائد على الاستثمار.
لكن اقتصاديات الذكاء الاصطناعي قد لا تتصرف بالطريقة نفسها.
فنحن أمام تكنولوجيا تتطور بسرعة، وتنخفض تكلفة بعض عناصرها، وترتفع تكلفة عناصر أخرى، بينما يتضاعف حجم استخدامها في الوقت نفسه، ولذلك فإنها تحتاج إلى منهجيات مختلفة في تقييم الاستثمار والعائد والمخاطر.
وقد يصبح أحد أهم التحديات أمام مجالس الإدارات والإدارات التنفيذية خلال السنوات المقبلة هو الموازنة بين أمرين متناقضين: سرعة تبني الذكاء الاصطناعي قبل المنافسين، وعدم اتخاذ قرارات يصعب الرجوع عنها قبل فهم اقتصادياته طويلة الأجل.
تم إعداد هذه المقالة لصالح CNN الاقتصادية، والآراء الواردة فيها تمثّل آراء الكاتب فقط ولا تعكس أو تمثّل بأي شكل من الأشكال آراء أو وجهات نظر أو مواقف شبكة CNN الاقتصادية.




