
وقال أوليان شاركا، الرئيس التنفيذي للشركة، إن النموذج الجديد سيجري تدريبه من الصفر، وسيضم أكثر من 400 مليار معامل، ما يضعه، من حيث الحجم، ضمن أكبر النماذج المفتوحة المصدر قيد التطوير عالمياً، وفق ما نقلته رويترز.
أوروبا تبحث عن بديل محلي
تأتي خطة دومين في لحظة حساسة لصناعة الذكاء الاصطناعي الأوروبية، فقد تسارعت المخاوف في بروكسل وعواصم أوروبية أخرى من الاعتماد على أنظمة مستضافة خارج القارة، خصوصاً بعد القيود الأميركية على بعض نماذج شركة أنثروبيك (Anthropic)، وما تبعها من تساؤلات بشأن قدرة الشركات والحكومات الأوروبية على الوصول المستقر إلى أحدث أدوات الذكاء الاصطناعي.
وأثار القرار الأميركي المتعلق بمنع تصدير نماذج أنثروبيك المتقدمة، مثل (Mythos) و(Fable)، نقاشات بين الولايات المتحدة وأوروبا حول مستقبل الوصول إلى نماذج الذكاء الاصطناعي الأكثر تطوراً، حسب ما ذكرت فايننشال تايمز.
أما بيزنس إنسايدر فرأى أن هذه القيود قد تمنح دفعة للشركات الأوروبية التي تروج لفكرة النماذج المفتوحة أو القابلة للتشغيل محلياً، وعلى رأسها ميسترال AI الفرنسية.
وتُظهر هذه التطورات أن النقاش الأوروبي لم يعد مقتصراً على تنظيم الذكاء الاصطناعي، بل انتقل إلى سؤال أوسع: من يملك مفاتيح النماذج؟ ومن يستطيع تشغيلها أو إيقافها؟
مشروع مدعوم من المفوضية الأوروبية
اختير اتحاد (EUROPA)، الذي تقوده دومين بالتعاون مع مؤسسة الأبحاث الألمانية فراونهوفر (Fraunhofer-Gesellschaft)، لتنفيذ المشروع ضمن تحدي الذكاء الاصطناعي الرائد التابع للمفوضية الأوروبية.
وقالت المفوضية إن المشروع يستهدف تطوير نموذج مفتوح المصدر يغطي اللغات الرسمية الـ24 للاتحاد الأوروبي، ويعزز قدرة أوروبا على بناء أنظمة ذكاء اصطناعي متقدمة على بنيتها التحتية الخاصة.

مايكروسوفت ذكاء اصطناعي (شترستوك)
ويمنح ذلك دومين موقعاً جديداً في مشهد أوروبي يضم بالفعل ميسترال الفرنسية وأو في إتش كلاود (OVHcloud)، التي أعلنت بدورها خططاً لبناء نماذج ذكاء اصطناعي رائدة من الصفر.
دعم المفوضية يمنح دومين إمكانية الوصول إلى شبكة (EuroHPC)، وهي البنية العامة الأوروبية للحوسبة الفائقة، وفق رويترز.
ووصف شاركا هذه الشبكة بأنها أصل استراتيجي «لا يحظى بالتقدير الكافي»، معتبراً أن أوروبا تملك بالفعل جزءاً كبيراً من البنية اللازمة لتدريب نموذج متقدم.
سباق مفتوح المصدر
يراهن المشروع على أن المصدر المفتوح قد يمنح أوروبا مساراً مختلفاً عن النموذج الأميركي القائم إلى حد كبير على الخدمات المغلقة التي تُباع عبر واجهات برمجة التطبيقات وتُدار من خوادم الشركات المالكة لها.
ففي حين تظل معظم النماذج الأميركية الرائدة مملوكة ومغلقة، تهيمن شركات صينية مثل ديب سيك (DeepSeek) وكوين (Qwen) التابعة لـعلي بابا على جانب واسع من مشهد النماذج المفتوحة.
وقد زادت جاذبية هذه النماذج لدى الشركات والحكومات لأنها تسمح بدرجة أكبر من التحكم في البيانات والبنية التحتية، لكن أوروبا لا تنظر إلى النماذج الصينية بوصفها بديلاً بلا مخاطر.
فقد قيّدت إيطاليا وجمهورية التشيك الاستخدام البعيد لبعض نماذج ديب سيك، مع السماح بتشغيلها محلياً، وسط مخاوف تتعلق بالبيانات والامتثال والسيادة الرقمية، هنا تحاول دومين أن تقدم معادلة مختلفة: نموذجاً أوروبياً، مفتوحاً، قابلاً للتشغيل محلياً، ومصمماً من البداية للقطاعات الخاضعة للرقابة.
من «آي جينيوس» إلى «دومين»
تأسست الشركة في ميلانو عام 2016 تحت اسم (iGenius) قبل أن تتحول لاحقاً إلى (Domyn)، وركزت منذ بدايتها على تطوير حلول ذكاء اصطناعي للقطاعات التي تتطلب مستويات عالية من التحكم والامتثال، مثل المال والحكومة والصناعات الثقيلة.
وسبق للشركة أن أطلقت نماذج موجهة للمؤسسات الخاضعة للتنظيم، وهو ما منحها موقعاً مختلفاً عن شركات الذكاء الاصطناعي الاستهلاكي التي تستهدف المستخدمين الأفراد عبر روبوتات المحادثة العامة.
وتشير خلفية دومين إلى أن نموذجها الجديد ليس مجرد محاولة لمنافسة (OpenAI) أو (Anthropic) على واجهة الدردشة، بل جزء من سباق أوسع على «الذكاء الاصطناعي السيادي» الذي يمكن للمؤسسات تشغيله داخل أنظمتها الخاصة مع الحفاظ على البيانات في الداخل.
من مليار يورو إلى 200 مليون يورو فقط!
تتزامن خطوة دومين مع دخول (OVHcloud) الفرنسية سباق النماذج الرائدة، وقال رئيسها التنفيذي أوكتاف كلابا لرويترز خلال مؤتمر (VivaTech) إن انخفاض التكاليف وتراجع الحواجز التقنية يفتحان المجال أمام «موجة ثانية» من مطوري نماذج الذكاء الاصطناعي.
وقدّر كلابا أن بناء نموذج كان يتطلب في السابق نحو مليار يورو، يمكن أن يصبح ممكناً الآن بتكلفة تراوح بين 150 و200 مليون يورو، بفعل تحسن الرقائق وأساليب التدريب واستخدام البيانات الاصطناعية.
وقال شاركا إنه يتفق مع هذا التقييم، مضيفاً أن تدريب نموذج متقدم يحتاج إلى قدرة حاسوبية أقل بكثير من تشغيل خدمة محادثة ضخمة لمئات الملايين من المستخدمين حول العالم، وهذه نقطة جوهرية في الرهان الأوروبي: تدريب النموذج داخل أوروبا شيء، وتحويله إلى منصة استهلاكية عالمية شيء آخر أكثر كلفة وتعقيداً.
البيانات.. الحلقة الأصعب
رغم توفر الحوسبة، تبقى البيانات أحد أكثر عناصر المشروع حساسية، وتخطط دومين لجمع بيانات التدريب من شركاء مؤسسيين، وقال شاركا إنه يعتزم عقد اجتماعات مع رؤساء دول أوروبية، متوقعاً إبرام أول اتفاقيات مشاركة بيانات مع حكومات خلال أسابيع.
هذا المسار قد يمنح النموذج ميزة أوروبية واضحة، خصوصاً إذا استطاع تغطية اللغات الرسمية للاتحاد الأوروبي بعمق أكبر من النماذج الأميركية والصينية، لكنه يطرح أيضاً أسئلة تنظيمية حول نوعية البيانات، حقوق الملكية الفكرية، والخصوصية، ومدى قدرة الحكومات على مشاركة بيانات مؤسسية دون إثارة اعتراضات سياسية أو قانونية.
منافسة لا تزال صعبة
ورغم الطموح الكبير، لا يعني نموذج يتجاوز 400 مليار معامل أنه سيضاهي تلقائياً قدرات الأنظمة الأميركية الرائدة؛ فالأداء يعتمد على جودة البيانات، وكفاءة البنية المعمارية، وطرق التدريب، وأدوات التقييم، والقدرة على التشغيل بتكلفة مقبولة.
وتشير وول ستريت جورنال في تغطيتها لصعود ميسترال إلى أن أكبر عقبة أمام استقلال أوروبا في الذكاء الاصطناعي ليست فقط توافر المواهب أو الطموح السياسي، بل حجم الاستثمارات اللازمة لمجاراة عمالقة التكنولوجيا الأميركيين.
ومع ذلك، فإن مشروع دومين يمنح أوروبا ورقة جديدة في سباق لم يعد يدور فقط حول من يملك أذكى نموذج، بل حول من يستطيع تشغيله، وتدقيقه، وتعديله، وحمايته من الانقطاع أو القيود الجيوسياسية.
تمويل غير معلن ودعم من أبوظبي
رفضت دومين الإفصاح عن تفاصيل التمويل المرتبط بالمشروع، لكنها قالت لرويترز إنها مدعومة من مجموعة (G42) في أبوظبي، إلى جانب مستثمرين من بينهم (Eurizon Capital) و(Rabobank) و(BNY).
ويمثل دعم (G42) بعداً إضافياً للمشروع، إذ يعكس تقاطعاً بين الطموح الأوروبي لبناء نماذج سيادية، ورغبة مستثمرين من خارج القارة في المشاركة في البنية التحتية الجديدة للذكاء الاصطناعي.
وبينما تضخ الشركات الأميركية مليارات الدولارات في مراكز البيانات والرقائق وخدمات الذكاء الاصطناعي السحابية، تراهن دومين على أن أوروبا تستطيع استخدام مواردها العامة وشراكاتها الصناعية لبناء نموذج مفتوح يضعها مجدداً داخل سباق الذكاء الاصطناعي الرائد، لا كمستهلك للنماذج الأجنبية فحسب، بل كمنتج لها.




