شؤون عربية ودولية

رأس المال يبحث عن القانون الأفضل.. كيف تعيد التشريعات المنافسة الاستثمارية في الخليج؟ : CNN الاقتصادية



لم يكن القانون يوماً غائباً عن حسابات المستثمر، لكن الجديد في الخليج أن القانون لم يعد مجرد سؤال يطرحه على الدولة، بل أصبح إجابة تقدمها الدولة في سباقها لجذبه، فكل دولة تعمل على إطلاق تشريعات لصناعة ميزة تنافسية تجعل رأس المال يختارها بدلاً من أسواق أخرى.

فالسعودية أعادت صياغة فلسفة نظام الاستثمار، وقطر وعمان وسعتا نطاق الملكية الأجنبية، فيما قطعت الإمارات شوطاً واسعاً في تحرير الملكية وتطوير بيئة الأعمال، والبحرين تواصل تطوير قوانينها لمنظومتها الاقتصادية، بينما تشهد الكويت تحركات تشريعية وتنظيمية تستهدف تعزيز قدرتها على جذب رأس المال والمؤسسات العالمية.

لكن قراءة هذه التحولات من خلال عدد القوانين الجديدة وحدها قد تفوّت الجزء الأكثر أهمية من القصة.

تكلفة لا تظهر في الحسابات

يستطيع المستثمر احتساب الضريبة ورسوم التراخيص والأجور وتكلفة التمويل، لكن هناك تكلفة أكثر صعوبة في الحسابات؛ تكلفة عدم الوضوح التنظيمي. ماذا لو كان القانون يسمح بالنشاط لكن الموافقة تستغرق مدة غير معلومة؟ أو تعددت الجهات التي يمر بها المستثمر؟ أو اختلفت إجابات تفسير قاعدة تنظيمية؟ وماذا لو كانت إجراءات التخارج أو تسوية النزاعات غير قابلة للتوقع؟

هذا النوع من الأسئلة قد يتحول إلى مخاطر لدى المستثمر في ظل غموض الإجابات عنها، ومن هنا يبدأ بالبحث عن أسواق أخرى أكثر وضوحاً، هنا نتحدث عن جودة القوانين.

من هوية المستثمر إلى قيمة الاستثمار

السعودية تقدّم ربما أوضح مثال خليجي على تغير فلسفة التشريع الاقتصادي، فنظام الاستثمار الأجنبي كان ينظم دخول المستثمر الأجنبي إلى السوق باعتباره فئة مستقلة تحتاج إلى ترخيص خاص، أما النظام المحدّث الذي دخل حيز التنفيذ في فبراير 2025، فلم يغيّر الإجراءات فقط، بل غيّر نقطة البداية نفسها، إذ جمع المستثمر المحلي والأجنبي في إطار واحد، وأقرّ بالمساواة في المعاملة في الظروف المماثلة، وهو كما بينت المادة الثانية منه أنه يسعى لتوفير مناخ استثماري جاذب، فالنظام الجديد يتعامل مع الاستثمار نفسه باعتباره جزءاً من سياسة النمو الاقتصادي بغض النظر عن جنسية صاحبه.

وبالفعل بدأ هذا النظام يحقق جزءاً من أهدافه، إذ تشير التقارير إلى بلوغ صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي للمملكة في عام 2025 نحو 33 مليار دولار أميركي، أي بزيادة نحو 53% مقارنة بالعام السابق، ما جعلها تتقدم إلى المرتبة الثالثة عشر عالمياً في حجم استقبال الاستثمارات الأجنبية.

وإذ كنا نشير إلى هذه المؤشرات، فإن الوصول إليها لم يأتٍ من خلال تعديل تشريعي واحد، بل تكشف حجم المنافسة الاقتصادية التي أصبح التشريع جزءاً منها.

عندما تصبح ملكية الـ100% غير كافية

الاتجاه نفسه يظهر بأدوات مختلفة في بقية الخليج، ففي قطر أصبح وصول الملكية الأجنبية إلى 100% في نطاق واسع من الأنشطة، بينما سمحت عمان بالملكية الأجنبية الكاملة في معظم القطاعات، وواصلت البحرين توسيع الأنشطة المتاحة لرأس المال الأجنبي.

أما الإمارات فقد جمعت بين الملكية الأجنبية الكاملة والإقامات طويلة الأجل والمناطق الاقتصادية والمالية ذات الاختصاص القضائي المستقل وتطوير التشريعات التجارية، ما أهّلها لأن تستقطب نحو 48 مليار دولار من الاستثمار الأجنبي المباشر عام 2025 بزيادة 6% مقارنة بالعام السابق لتحتل المرتبة التاسعة عالمياً بين أكبر وجهات الاستثمار الأجنبي.

لكن هنا تظهر مفارقة مهمة، فقبل سنوات كان السماح للمستثمر الأجنبي بامتلاك 100% من شركته ميزة تنافسية كبيرة، أما اليوم ومع اتساع تطبيق هذه الميزة خليجياً، فإنها تتحول من ميزة تنافسية إلى شرط للدخول في المنافسة.

إذاً، ما الذي يحدد وجهة رأس المال؟ الإجابة تكمن فيما يحدث بعد صدور الترخيص من وضوح القرارات والقوانين التنظيمية وسهولة التوسع والتخارج وكفاءة النظام القضائي والتحكيم عند وقوع النزاعات وغيرها.

الكويت.. مؤشرات على التحول

الكويت ليست خارج هذا السباق، فمنذ صدور القانون رقم 116 لسنة 2013 بشأن الاستثمار الأجنبي، أصبح من الممكن للمستثمر تملك 100% من شركته، لكن التطورات الأخيرة تشير إلى أن التحرك بدأ يتجاوز مسألة الملكية إلى بيئة أوسع لاستقطاب المستثمر الأجنبي.

ومن أبرز هذه التحركات إقرار إطار للإقامة طويلة الأمد تُتيح للمستثمرين المؤهلين وكبار التنفيذيين في الشركات المرخصة من هيئة تشجيع الاستثمار المباشر الحصول على إقامة تصل إلى 15 عاماً، إلى جانب تطوير المزايا والتشريعات المرتبطة بالاستثمار المباشر وتوسيع مشاركة القطاع الخاص، لكن الإشارة الأكثر اهتماماً جاءت من السوق نفسه، إذ أعلنت شركة بلاك روك افتتاح مكتبها في الكويت وتبعتها غولدمان ساكس وكذلك بلاكستون التي ستقوم بفتح مكتبها في هذه السنة.

هذه التطورات لا تعني تلقائياً تدفق الاستثمارات الأجنبية إلى الاقتصاد، لكن تحمل دلالة يصعب تجاهلها أكبر المؤسسات المالية والاستثمارية أصبحت ترى مبرراً لبناء حضور مباشر ونشاط منظم داخل السوق الكويتي.

ما العائد على التشريع؟

إذا كانت الشركات تقيس العائد على الاستثمار فلماذا لا تقيس الدول العائد على التشريع؟ فعندما تعدّل دولة قانون الاستثمار أو تختصر إجراءات الترخيص فإنه لا يكفي لقياس النجاح بعدد القوانين أو التراخيص الصادرة، فالمقياس الأهم هو ما يحدث بعدها: كم رأس مال جديداً دخل؟ كم مشروعاً تحول إلى نشاط اقتصادي حقيقي؟ كم وظيفة نشأت؟ وكم رأس مال بقي ووسّع استثماره؟

قطر تقدّم مثالاً جيداً على هذا النوع، ففي 2025 استقطبت مشروعات الاستثمار الأجنبي المباشر نحو 3.4 مليار دولار عبر 373 مشروعاً أسهمت في توفير أكثر من 15 ألف وظيفة جديدة، وهذا هو الفارق بين قياس حجم الاستثمار وقياس أثر الاستثمار.

حين يصبح التطبيق هو الفارق

إن جودة التشريع وحدها لا تكفي، فقيمته الاقتصادية تتحدد أيضاً بكفاءة تنفيذه وقابلية تطبيقه، فالمستثمر في النهاية لا يستثمر وفقاً للقانون المكتوب وحده، وإنما في المؤسسة التي تطبقه والجهة التي تفسره والمحكمة التي تنفذه والوقت الذي يستغرقه كل ذلك.

ولهذا، فإن المرحلة المقبلة من المنافسة الخليجية قد لا تكون على مَن يصدر القانون الأكثر جاذبية بل من يستطيع تحويل القانون إلى تجربة استثمارية تجعل من رأس المال لا يأتي فقط، بل يقرر البقاء.

تم إعداد هذه المقالة لصالح CNN الاقتصادية، والآراء الواردة فيها تمثّل آراء الكاتب فقط ولا تعكس أو تمثّل بأي شكل من الأشكال آراء أو وجهات نظر أو مواقف شبكة CNN الاقتصادية.



Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى