

ويقدم اتفاق أعلنت عنه شركة (Drax) البريطانية، الثلاثاء، نموذجاً لهذا التحول، إذ تعتزم تطوير مركز بيانات للذكاء الاصطناعي بالشراكة مع برووكفيلد (Brookfield) ومنصتها المتخصصة (Radiant)، باستثمارات محتملة تتجاوز 20 مليار جنيه إسترليني (26.8 مليار دولار)، في موقع محطة دراكس للطاقة بمقاطعة شمال يوركشاير.
قفز سهم دراكس بنسبة 9% في التعاملات المبكرة عقب الإعلان، في إشارة إلى أن المستثمرين بدؤوا يعيدون تقييم القيمة الاقتصادية لمحطات الكهرباء باعتبارها بوابات محتملة إلى سوق البنية التحتية الرقمية، وليس مجرد أصول تقليدية لإنتاج الطاقة، وفق رويترز.
الكهرباء تعيد رسم خريطة الاستثمار
وتسمح هذه الأصول بتقليص بعض أعمال البنية التحتية التي يحتاج إليها تطوير موقع جديد، لكنها لا تعني أن الكهرباء متاحة بالكامل للمركز دون موافقات أو استثمارات إضافية.
وتؤكد شركة الاستشارات العقارية (JLL) في تقريرها العالمي لعام 2026 أن سرعة الحصول على الكهرباء أصبحت المعيار الأول لاختيار مواقع مراكز البيانات، متقدمة على اعتبارات الموقع والتكلفة، مع امتداد فترات انتظار الاتصال بالشبكات لسنوات.
من محطات التوليد إلى أصول رقمية مرتفعة القيمة
لا تقتصر القيمة الجديدة لدراكس على بيع الكهرباء، بل تشمل إمكانية استثمار أراضيها وبنيتها الكهربائية وتطوير اتفاقيات توريد طويلة الأجل.
ووفقاً لإفصاح الشركة، ستعتمد المرحلة الأولى على الكهرباء المسحوبة مباشرة من الشبكة، بينما تستهدف المرحلة الثانية استخدام قدرات التوليد القائمة لتغذية مركز البيانات عبر ترتيبات خلف العداد (Behind-the-Meter)، بما يتيح توصيل الكهرباء مباشرة وفق اتفاقية شراء طويلة الأجل.
وقد يوفر المشروع لدراكس مصدراً جديداً للإيرادات مع اقتراب انتهاء برنامج دعم توليد الكهرباء من الكتلة الحيوية في مارس/ آذار 2031، وفق فايننشال تايمز.
ونقلت رويترز عن محللي جيه بي مورغان أن الاتفاق قد يرفع القيمة التي ينسبها المستثمرون إلى أنشطة مراكز البيانات لدى دراكس، ويعزز احتمالات استمرار تشغيل المحطة بعد انتهاء الدعم.
كم تبلغ تكلفة الميغاواط الواحد؟
تستهدف المرحلة الأولى تطوير قدرة تصل إلى 100 ميغاواط باستثمار محتمل يبلغ 2.5 مليار جنيه إسترليني، ما يعادل حسابياً 25 مليون جنيه إسترليني لكل ميغاواط، أو نحو 33.5 مليون دولار وفق سعر الصرف الوارد في تقرير رويترز.
أما عند افتراض قدرة إجمالية تبلغ غيغاواط واحد بالضبط، فإن استثماراً قدره 20 مليار جنيه يعادل 20 مليون جنيه للميغاواط. لكن هذه مقارنة توضيحية وليست متوسطاً مؤكداً، لأن كلاً من الاستثمار والقدرة النهائية قد يتجاوز الرقم المعلن.
وللمقارنة، تتوقع (JLL) بلوغ متوسط تكلفة تشييد الهياكل والمرافق الأساسية لمراكز البيانات عالمياً 11.3 مليون دولار للميغاواط في 2026، مقابل 12 إلى 14 مليون دولار في لندن، دون الأرض والمعدات التقنية.
وقد تصل تجهيزات الذكاء الاصطناعي إلى 25 مليون دولار إضافية للميغاواط.
وبحسب خبراء الطاقة تظهر هنا أهمية التمييز، حيث تقديرات استثمار دراكس تشمل رقائق أشباه الموصلات، ولذلك لا يجوز اعتبار الفارق بينها وبين تكاليف البناء التقليدية وفراً أو علاوة سعرية مباشرة. ولا تتوافر ميزانية تفصيلية تسمح بحساب الوفورات الفعلية مقارنة بموقع جديد.
قطر تدخل سباق تمويل الكهرباء والذكاء الاصطناعي
يحمل المشروع بُعداً استثمارياً خليجياً عبر شركة (Qai) القطرية، التابعة لجهاز قطر للاستثمار، التي أسست مع بروكفيلد في ديسمبر كانون الأول 2025 مشروعاً مشتركاً بقيمة 20 مليار دولار للاستثمار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي داخل قطر وأسواق دولية مختارة.
ويعكس دخول هذا التحالف إلى بريطانيا انتقال الاستثمارات السيادية من تمويل الأصول العقارية والبنية التقليدية إلى الجمع بين الطاقة والحوسبة المتقدمة.
لكن قيمة المشروع المشترك البالغة 20 مليار دولار لا تمثل تمويلاً مخصصاً بالكامل لمشروع دراكس، ولم يعلن الشركاء حصص التمويل النهائية أو التزامات رأسمالية ملزمة لكل طرف.
هل تكفي 15 شهراً لبدء التشغيل؟
تستهدف دراكس تشغيل المرحلة الأولى تجارياً خلال الربع الأول من 2028، أي بعد نحو 14 إلى 16 شهراً من إعلان الشراكة.
وتخطط لتطوير مرحلة ثانية بقدرة 500 ميغاواط خلال الفترة 2028–2031، تليها توسعات بعد 2031 للوصول إلى قدرة إجمالية تتجاوز غيغاواط واحد.
ويرى خبراء أسواق الطاقة أن الجدول الزمني يبقى طموحاً؛ إذ يحتاج المشروع إلى موافقات التخطيط والجهات التنظيمية والشبكة الكهربائية، وتأمين مستأجر رئيسي واتفاقيات تجارية وقرارات استثمار نهائية.
وتكشف بيانات هيئة تنظيم الطاقة البريطانية (Ofgem) حجم التحدي، بعدما ارتفعت طلبات توصيل مشروعات استهلاك الكهرباء بالشبكة من 41 إلى 125 غيغاواط في أقل من عام، مدفوعة أساساً بمراكز البيانات، ما دفع الهيئة إلى اقتراح إجراءات تستبعد المشروعات غير الجادة من طوابير الاتصال.
ويتوقع الخبراء أن العامل الحاسم في نجاح مشروع دراكس ليس امتلاك الأرض وحده، بل القدرة على تحويل الكهرباء المتاحة والبنية القائمة إلى طاقة حوسبية تجارية في الموعد المحدد، وهذا ما قد يجعل محطات الطاقة القديمة بعضاً من أكثر الأصول طلباً في اقتصاد الذكاء الاصطناعي.




