مضيق هرمز.. شريان للتكنولوجيا العالمية أكثر منه للطاقة : CNN الاقتصادية


سفن تتحرك ببطء وتتكدس في ممر ضيق.. في الأعلى ضجيج محركات، وفي الأسفل صمت هش تمر فيه كابلات لا يراها أحد. هناك، في مضيق هرمز، لا تعبر ناقلات النفط والغاز فقط، بل تمر أيضاً بيانات العالم من رسائل وتحويلات مصرفية وتدفقات رقمية يقوم عليها اقتصادات كاملة.
ما يبدو على السطح ممراً للطاقة، يخفي في القاع بنية تحتية تحمل نبض العالم الرقمي بين آسيا وأوروبا مروراً بالخليج العربي.
ومع الحرب، لم يعد السؤال محصوراً في النفط، وإنما يمتد الخطر إلى كابلات الإنترنت نفسها؟ وهل يتحول الصراع من تهديد إمدادات الطاقة إلى تهديد إمدادات البيانات؟
الهجوم على هذه الكابلات لا يحتاج دائماً إلى عملية عسكرية معقدة؛ أحياناً تكفي مرساة سائبة، أو سفينة تفقد السيطرة لتقطع الكابل في لحظة.. ضربة واحدة لا تُسقط الشبكة العالمية دفعة واحدة، لكنها تُربكها، وتدفع البيانات إلى الالتفاف عبر مسارات أطول، بزمن استجابة أعلى وكلفة أكبر.
وفي اقتصاد يعتمد على أجزاء من الثانية، قد تتحول ثوانٍ قليلة من التأخير إلى خسائر مالية وتشغيلية كبيرة، خصوصاً في الأسواق والخدمات الحساسة للوقت.
مع دخول الحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران أسبوعها الثالث، وبدأ أثرها يتجاوز ساحات القصف إلى الجغرافيا البحرية، تتحدث التقارير الدولية عن تعطل شديد لحركة الملاحة في مضيق هرمز، فيما تدعي إيران بأن مرور السفن «غير المعادية» لا يزال ممكناً بشروط تنسيق مسبق. ضمن هذا التصريح الهش، أصبح المضيق فعلياً منطقة رمادية -لا هو مغلق بالكامل ولا هو آمن بالكامل- وهو أسوأ سيناريو لأي بنية تحتية عالمية.
الإنترنت، خلافاً للصورة الذهنية الشائعة، ليس «سحابة» معلقة في الفراغ. وفق مؤسسة IFC التابعة للبنك الدولي، أضيف إلى العالم منذ عام 1995 نحو مليون ميل من الكابلات البحرية العميقة، وهي التي تحمل الجزء الغالب من حركة البيانات الدولية.. هذه الأرقام وحدها تكفي لتفسير لماذا لم تعد الكابلات البحرية مجرد شأن تقني، بل جزءاً من الأمن الاقتصادي والجيوسياسي العالمي.
أما في الخليج، فالمسألة أكثر حساسية؛ الكابلات النشطة المرتبطة بالمنطقة تشمل AAE-1 وFALCON وGulf Bridge International وTata TGN-Gulf، إلى جانب مشاريع أحدث تعيد رسم خريطة الاتصال الإقليمي.
ومن أبرزها مشروع Fibre in Gulf (FIG) الذي يربط سبع دول هي قطر وعُمان والإمارات والبحرين والسعودية والكويت والعراق، وبسعة تصل إلى 720 تيرابت في الثانية.
وهناك أيضاً 2Africa Pearls، وهو امتداد ضمن أحد أكبر مشاريع الكابلات في العالم، بطول 45 ألف كيلومتر، الذي يربط 33 دولة عبر 3 قارات.
أما SEA-ME-WE 6 فيمتد لنحو 21,700 كيلومتر، ويضم 19 عضواً وبسعة تصميمية لا تقل عن 126 تيرابت/ثانية على أن يتم الانتهاء منه عام 2026.
هذه ليست مجرد أرقام هندسية، إنها سعات الاتصال التي ستعتمد عليها مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي والنمو السحابي بين أوروبا وآسيا مروراً في الخليج العربي خلال السنوات المقبلة.
الخطر هنا ليس فقط في القطع المادي للكابل، بل في صعوبة إصلاحه عندما تتحول المنطقة إلى مسرح نزاع. سفن الإصلاح محدودة أصلاً عالمياً، وشركات التأمين تتردد في تغطيته أثناء الحروب، والعمل في مناطق العمليات العسكرية يصبح بالغ الخطورة.
وبمجرد تعذر وصول سفن الإصلاح يمكن أن يحول عطل موضعي إلى أزمة طويلة، وهذا بالضبط ما يجعل الحرب أخطر على الكابلات من الصواريخ نفسها، لأنها قد تمنع إصلاحها في الوقت المناسب.
ولأن المخاطر لا تأتي دائماً من نية التخريب، حيث تشير اللجنة الدولية لحماية الكابلات ICPC إلى أن 70% من أعطال الكابلات البحرية ليست بسبب الهجمات المتعمدة بل تنتج من أنشطة بشرية مرتبطة بالمراسي والصيد، وهذا يعني أن أكثر السيناريوهات ترجيحاً في هرمز ليس بالضرورة «عملية سرية تحت الماء»، بل فوضى الحرب نفسها، وازدحام، وتوتر، ومناورة خاطئة، وسفينة متضررة، أو مرساة تُسحب فوق مسار كابل، فما بالك لو كان التأثير مزدوجاً من مضيق هرمز مع مضيق المندب، الذي وحده يمر خلاله أكبر عقدة كابلات في العالم ويشكّل 90% من السعة بين أوروبا وآسيا؛ حيث أدى عطل في سبتمبر 2025 إلى تأثر دول بأكملها في آسيا والمنطقة.
المشكلة أن أثر الانقطاع لا يظهر للمستخدم فوراً مثل توقف الإنترنت، بل يبدأ غالباً على شكل اختناق رقمي تدريجي مرافق مع زمن استجابة أطول وبطء في الخدمات السحابية، ما يسبب ضغطاً على المسارات البديلة وكلفة أكبر على المشغلين.
ويشكّل قطاع البنوك أول المتأثرين من بطء الإنترنت ثم ينتشر التأثير عبر منصات التجارة والخدمات الرقمية الحساسة، تليها أنظمة الذكاء الاصطناعي المعتمدة على الاستدلال السحابي.
لا يقتصر الأمر على الكابلات؛ إذ يمر عبر المضيق نحو 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالمياً من قطر والإمارات ويتجه بنسبة 83% باتجاه آسيا، وهو ما يغذّي مراكز البيانات والبنية الرقمية، كما تنتج قطر نحو 30% من الهيليوم العالمي، وهو عنصر أساسي في تصنيع الرقائق المتقدمة، ما يجعل المضيق شرياناً غير مرئي لصناعة الذكاء الاصطناعي وبشكلٍ أخص في تقنيات الطباعة الضوئية المتقدمة (EUV Lithography) التي تنتج لنا الرقائق التي تستخدمها مراكز البيانات المتخصصة بالذكاء الاصطناعي.
لهذا، فإن السؤال لم يعد محصوراً على أزمة طاقة وتعطل ناقلات النفط، بل يشمل استعداد العالم لاختناق تقني في شرايين البيانات.
تعلمنا خلال العقود الماضية الكثير عن أمن الطاقة، لكنه لم يختبر أحدٌ بعد على القدر نفسه تأثير انقطاع الكابلات البحرية في هرمز وباب المندب، حيث يتقاطع النفط مع الإنترنت، والغاز مع الحوسبة، والممر البحري مع الاقتصاد الرقمي.
وما كان يُنظر إليه طويلاً كجغرافيا للشحن فقط، بات اليوم جغرافيا للتكنولوجيا نفسها، وهذا لا يعكس فقط أهمية الممر، بل يعيد تعريف موقع دول الخليج في الاقتصاد الرقمي العالمي، ليس كممر عبور، بل كعقدة مركزية في بنية التكنولوجيا نفسها، بما يضيف إلى ثقلها الاقتصادي والاستثماري في قطاعي الطاقة والذكاء الاصطناعي عالمياً.
في عالم يمكنه تخزين النفط، وإعادة توجيه السفن، وبناء احتياطيات استراتيجية، لا يمكنه تخزين الزمن الرقمي.
البيانات لا تنتظر، والاقتصاد الرقمي لا يتحمل التأخير. ولهذا، فإن السؤال لم يعد: كيف نحمي مضيق هرمز فقط بل أيضاً ما المسارات البديلة التي يجب أن تُبنى براً عبر دول الجوار أو حتى عبر الفضاء؟
تم إعداد هذه المقالة لصالح CNN الاقتصادية، والآراء الواردة فيها تمثّل آراء الكاتب فقط ولا تعكس أو تمثّل بأي شكل من الأشكال آراء أو وجهات نظر أو مواقف شبكة CNN الاقتصادية.

