

تواجه طفرة الاستثمار في مراكز البيانات المخصصة للذكاء الاصطناعي اختباراً متزايداً، مع تحول اهتمام المستثمرين من حجم الإنفاق المخطط إلى قدرة الشركات على تحقيق عوائد تبرر هذه الاستثمارات الضخمة، في وقت تضغط فيه تكاليف الاقتراض وتأخر إتاحة الكهرباء وتحديات تنفيذ المشروعات على خطط التوسع.
ووفقاً لتحليل لرويترز، فإن السؤال لم يعد يقتصر على مدى الحاجة إلى مزيد من مراكز البيانات، بل يمتد إلى ما قد يحدث إذا جرى تنفيذ عدد أقل من المشروعات مقارنة بالتوقعات الحالية، وما يعنيه ذلك لشركات التكنولوجيا وموردي الرقائق والمستثمرين الذين يمولون البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
استثمارات تتجاوز 10 تريليونات دولار
تشير تقديرات ستاين فان نيوبورغ، الأستاذ في كلية كولومبيا للأعمال، إلى أن طفرة الذكاء الاصطناعي قد ترفع سعة مراكز البيانات في الولايات المتحدة إلى 183 غيغاواط بحلول عام 2032، أي ما يقارب خمسة أمثال المستوى المسجل قبل عام 2025.
وتقدر تكلفة هذه الاستثمارات بأكثر من 10 تريليونات دولار، بما يعادل أكثر من 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي الأميركي خلال الفترة، وفقاً للتقديرات التي أوردها تحليل رويترز.
تظهر توقعات الإنفاق العالمي على تكنولوجيا المعلومات أن مراكز البيانات أصبحت من أسرع مجالات الاستثمار نمواً، مع اتساع الطلب على البنية التحتية اللازمة لتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي والخدمات السحابية.
لكن تسارع الإنفاق لا يثبت وحده جدوى الاستثمارات؛ إذ يتوقف العائد على قدرة الشركات على تحويل هذه البنية التحتية إلى إيرادات تغطي تكاليف الإنشاء والتشغيل والتمويل.
حجم الاستثمارات المتوقع يثير تساؤلات بشأن مصادر التمويل، وتوافر الكهرباء اللازمة لتشغيل الخوادم، والمياه المستخدمة في التبريد، ومدى قدرة الإيرادات المستقبلية على تغطية تكاليف إنشاء مراكز البيانات وتشغيلها.
لا تقتصر طفرة الذكاء الاصطناعي على الخطط المعلنة، بل تتزامن مع توسع قاعدة مراكز البيانات فائقة النطاق، التي توفر قدرات حوسبة كبيرة لشركات التكنولوجيا والخدمات السحابية.
ويعزز هذا التوسع الحاجة إلى استثمارات إضافية في الخوادم والشبكات والطاقة، لكنه يطرح في الوقت نفسه سؤالاً عن مدى توافق وتيرة بناء المراكز الجديدة مع الطلب الفعلي وقدرة الشركات على تحقيق عوائد مستدامة.
تكاليف التمويل تختبر نموذج الأعمال
تتعرض شركات الحوسبة السحابية المتخصصة، المعروفة باسم «نيوكلاود» (Neocloud)، لضغوط متزايدة، إذ تعتمد نماذج أعمالها على إنشاء مراكز بيانات وتوفير قدرات الحوسبة لشركات التكنولوجيا الكبرى.
ويشير تحليل رويترز إلى أن ارتفاع تكاليف الاقتراض يضغط على هوامش شركات مثل «كور ويف» (CoreWeave)، التي تشتري رقائق «إنفيديا» وتؤجر قدرات الحوسبة المرتبطة بها للعملاء، ما يثير تساؤلات بشأن آفاق نموها وربحية التوسع في هذا النشاط.
في المقابل، تعكس إيرادات الشركات الموردة للتقنيات الأساسية جانباً من الطلب المتنامي على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. فقد سجلت إنفيديا، إحدى أبرز موردي معالجات الذكاء الاصطناعي، زيادة كبيرة في إيرادات أنشطة مراكز البيانات خلال السنوات المالية الأخيرة.
غير أن نمو إيرادات موردي الرقائق لا يعني بالضرورة تحقيق جميع مشغلي مراكز البيانات عوائد مماثلة؛ فهامش الربح لدى كل شركة يتأثر بتكاليف التمويل والطاقة والتشغيل، فضلاً عن شروط العقود والأسعار التي تحصل عليها مقابل قدرات الحوسبة.
وفي مؤشر على التحديات التي تواجه بعض الشركات، ألغت «فيرمس تكنولوجيز» (Firmus Technologies) طرحها العام الأولي، بينما أصبحت خطط أخرى لبيع الأسهم موضع شك.
ولا تعني هذه التطورات بالضرورة تراجع الطلب على الذكاء الاصطناعي، لكنها تسلط الضوء على الفارق بين نمو الطلب على قدرات الحوسبة وبين قدرة الشركات على توفيرها بتكلفة تحقق عائداً مناسباً على رأس المال المستثمر.
الكهرباء والتراخيص تؤخر بعض المشروعات
لا تقتصر التحديات على التمويل، إذ تواجه بعض مشروعات مراكز البيانات عقبات تتعلق بالوصول إلى شبكات الكهرباء والمعارضة المحلية والتصاريح اللازمة للبناء.
تمثل الكهرباء أحد القيود الرئيسية أمام توسع مراكز البيانات، إذ يتطلب تشغيل الخوادم وتبريدها إمدادات مستمرة من الطاقة. وتشير التقديرات الواردة في عرض ستاتيستا إلى نمو الطلب على الكهرباء عبر عدة فئات مرتبطة بالبنية التحتية الرقمية.
وتعني هذه الزيادة أن الجدوى الاقتصادية للمشروعات لا تتوقف على تكلفة بناء المراكز وشراء الرقائق فحسب، بل تتأثر أيضاً بتكلفة الكهرباء وتوافرها والوقت اللازم لربط المشروعات بالشبكات.
وذكر تحليل رويترز أن «مايكروسوفت» انسحبت من عقد إيجار في المملكة المتحدة مع شركة «إن سكيل» (Nscale) بعد تأخر إتاحة الاتصال بشبكة الكهرباء. كما تراجعت أسهم شركة «نكست دي سي» الأسترالية (NextDC) بعد أن دفعت معارضة محلية الشركة إلى تعليق مشروع في ملبورن، بينما أشارت «أوراكل» سابقاً إلى مشكلات مماثلة في ولاية نيو مكسيكو الأميركية.
وأشار التقرير أيضاً إلى فرض قيود مؤقتة على إنشاء مراكز بيانات جديدة في عدد من الولايات الأميركية.
ومع ذلك، فإن حجم بعض المشروعات الملغاة أو المؤجلة يظل محدوداً مقارنة بخطط التوسع الأوسع. فقد بلغت السعة المخططة لمشروع «إن سكيل» الملغى في لندن 50 ميغاواط، بينما توقع إيلون ماسك أن تصل قدرة الحوسبة لدى «سبيس إكس» إلى 13 غيغاواط على الأقل بنهاية عام 2027، مقابل 1.7 غيغاواط في نهاية سبتمبر.
هل يغطي الطلب تكاليف الاستثمار؟
ورغم التساؤلات بشأن العائد، لا تزال هناك فرص استثمارية يراها المستثمرون واعدة، خصوصاً في المشروعات التي تُبنى وفق احتياجات العملاء، بما يتيح مواءمة الطاقة الاستيعابية مع الطلب المتوقع.
يرى بعض المستثمرين والشركات أن الطلب على قدرات الحوسبة لا يزال قوياً. ونقل تحليل رويترز عن المدير المالي لشركة «سبيس إكس» قوله إن الطلب قوي بما يكفي لجعل استثمارات الشركة في مراكز البيانات تسترد تكاليفها خلال أقل من عام. كما أشار جون غراي، رئيس «بلاكستون» (Blackstone)، إلى أن القيود على إنشاء مشروعات جديدة قد تزيد قيمة المراكز المكتملة بالفعل.
لكن تقييم الجدوى الاقتصادية يتطلب النظر إلى الإيرادات الفعلية وتكاليف التمويل والتشغيل، فضلاً عن سرعة تقادم الرقائق والمعدات، ومدى استمرار الطلب عند مستويات الأسعار الحالية.
ويبرز التحدي كذلك مع توسع استخدام وكلاء الذكاء الاصطناعي، الذين يحتاجون إلى قدرات حوسبة أكبر من المحادثات التقليدية.
ووفقاً للتحليل، فإن مساعد «ميوز» التابع لشركة «ميتا» تجاوز 10 ملايين عملية تنزيل، فيما تستهلك وكلاء الذكاء الاصطناعي نحو سبعة أمثال الرموز الحاسوبية التي تستهلكها المطالبات التي يقودها المستخدمون مباشرة. غير أن رسوم المعاملات والإعلانات قد لا تكون كافية لتغطية تكاليف التشغيل، بحسب تقدير الكاتبة كارين كوك في تحليل منفصل ضمن «بريكينغ فيوز».
تداعيات تتجاوز شركات التكنولوجيا
إذا تباطأ بناء مراكز البيانات أو ارتفعت تكلفتها، فقد تمتد الآثار إلى شركات تصنيع الرقائق وموردي المعدات، الذين قد يواجهون طلباً أقل من المتوقع، وإلى الشركات المستخدمة للذكاء الاصطناعي التي ستضطر إلى إعادة تقييم تكاليف التكنولوجيا، فضلاً عن المؤسسات المالية والمستثمرين الذين يمولون هذه المشروعات.
وبالتالي، لا يتمثل الاختبار الرئيسي لطفرة مراكز البيانات في حجم الاستثمارات المعلنة وحده، بل في قدرة القطاع على تحويل الإنفاق الرأسمالي إلى إيرادات مستدامة وعوائد تتناسب مع المخاطر. وقد يؤدي تباطؤ بعض المشروعات إلى إعادة ترتيب فرص الاستثمار وتوقيت تنفيذها، حتى مع استمرار نمو الطلب على خدمات الذكاء الاصطناعي.




