تقنيات

هل يمكن لوكلاء الذكاء الاصطناعي محو 500 مليار دولار من قيمة البنوك؟ : CNN الاقتصادية



قد يكون أكبر تهديد يفرضه الذكاء الاصطناعي على البنوك الأميركية أقل ارتباطاً بإلغاء الوظائف، وأكثر اتصالاً بأحد أقدم أسرار ربحية الصناعة، وهو أن الأموال التي يتركها العملاء ساكنة في حسابات تكاد لا تدفع فائدة.

ومع انتقال الذكاء الاصطناعي من روبوتات تجيب عن الأسئلة إلى «وكلاء» قادرين على اتخاذ قرارات وتنفيذ معاملات نيابة عن المستخدم، يبرز سيناريو يمكن فيه للمساعد الرقمي أن يراقب الحساب المصرفي باستمرار، ويحدد السيولة الضرورية لتغطية النفقات، ثم يحوّل الفائض آلياً إلى حساب ادخار مرتفع العائد أو صندوق سوق نقد.

وهذا السيناريو هو ما دفع قسم (Lex) في فايننشال تايمز إلى تقدير أن اختفاء الميزة الاقتصادية للودائع الرخيصة قد يمحو نحو 500 مليار دولار من القيمة السوقية للبنوك الأميركية، أو قرابة عُشر القيمة الإجمالية للبنوك المدرجة.

ولا يمثل الرقم خسارة نقدية فورية، بل تقديراً للقيمة التي يمنحها المستثمرون لما يعرف بـ«امتياز الودائع» (Deposit Franchise).

تريليونات الدولارات التي لا تطلب سعراً عادلاً

جوهر النموذج المصرفي بسيط؛ فالبنك يجمع أموال المودعين بسعر فائدة منخفض، ثم يوظفها في قروض وسندات وأصول تدر عائداً أعلى. وكلما كان العميل أقل حساسية للفائدة، ازدادت قيمة هذه الوديعة للبنك.

وتوضح الفجوة الحالية حجم الامتياز، حيث أظهرت بيانات نقلتها رويترز، أن متوسط عائد حساب الادخار الأميركي بلغ 0.37% في سبتمبر أيلول، بينما يمكن لبعض المؤسسات الرقمية تقديم عوائد تتجاوز 4%، كما تدفع البنوك المشمولة ببيانات (KBRA) متوسطاً يقارب 1.9% عبر مختلف حسابات المستهلكين والشركات.

وتقدّر فايننشال تايمز أن جيه بي مورغان (JPMorgan Chase) وبنك أوف أميركا (Bank of America) وويلز فارغو (Wells Fargo) وحدها لديها نحو 1.6 تريليون دولار من الودائع غير المدرة للفائدة، تعادل 16% من التزاماتها، وإذا اضطرت البنوك الثلاثة إلى دفع فائدة 3% عليها، فقد ترتفع تكلفتها بنحو 47 مليار دولار سنوياً، أي ما يقارب نصف أرباحها السنوية المجمعة.

من أين جاءت فاتورة الـ500 مليار دولار؟

يمكن قياس قيمة الوديعة الرخيصة عند استحواذ بنك على آخر من خلال ما يسمى (Core Deposit Intangible)، أي القيمة غير الملموسة للعلاقة مع العملاء الذين يوفرون تمويلاً مستقراً وأقل تكلفة من التمويل في السوق.

وتشير بيانات شركة ميرسر كابيتال (Mercer Capital) الأميركية المتخصصة في تقييم الشركات والاستشارات المالية، إلى أن قيمة هذا الأصل بلغت في صفقات البنوك الأميركية نحو 2.48% من الودائع الأساسية في المتوسط خلال 2026 حتى منتصف سبتمبر، وتقترب تاريخياً في بيئات الفائدة المرتفعة من 2.5% إلى 3%.

وباستخدام نسبة مماثلة على نحو 20 تريليون دولار من ودائع البنوك الأميركية، قرابة 80% منها ودائع أساسية، توصلت فايننشال تايمز إلى قيمة تقارب 500 مليار دولار.

وبحسب خبراء فايننشال تايمز فإن الفكرة هنا ليست أن هذه الأموال ستختفي، بل أن العملاء قد يطالبون فجأة بنصيب أكبر من العائد الذي تحتفظ به البنوك حالياً.

عندما يحصل كل عميل على «أمين خزينة» شخصي

ويحذّر خبراء أسواق المال من أن وكلاء الذكاء الاصطناعي قد يغيّرون ما يسمى في الصناعة بـ«خمول المودع»؛ فبدلاً من مطالبة العميل بالبحث عن حساب أفضل، وفتح حساب جديد، وتحويل الأموال ومتابعة الأسعار، يستطيع البرنامج القيام بكل ذلك بصورة شبه مستمرة.

وتقول رويترز بريكينغ فيوز إن الأميركيين يحتفظون بنحو 5.7 تريليون دولار في حسابات الادخار والجاري، منها 3.8 تريليون دولار في الادخار. رفع العائد على تلك المدخرات وحدها إلى 4% قد يزيد مصروفات الفائدة للبنوك بنحو 79 مليار دولار سنوياً، وهو مبلغ يكفي، في سيناريو متطرف، لمحو أرباح 32 مؤسسة.

وهنا يختلف الذكاء الاصطناعي عن مواقع مقارنة الأسعار التي ضغطت هوامش شركات التأمين والسفر: تلك المواقع ساعدت المستهلك على المقارنة، أما الوكيل الذكي فيستطيع المقارنة والمراقبة ثم التنفيذ تلقائياً.

7.9 تريليون دولار تنتظر خارج البنوك

ويقول الخبراء إن الخطر أكبر؛ لأن البديل موجود بالفعل، فقد بلغت أصول صناديق سوق المال الأميركية 7.89 تريليون دولار في الأسبوع المنتهي في 30 سبتمبر أيلول، وفق أحدث بيانات (Investment Company Institute)، بعدما أصبحت تلك الصناديق منافساً مباشراً للبنوك على السيولة منذ ارتفاع أسعار الفائدة.

ومع ذلك، لا تظهر الصناعة المصرفية الأميركية حالياً علامات أزمة ربحية؛ فقد أعلنت المؤسسة الفيدرالية لتأمين الودائع (FDIC) أن صافي أرباح المؤسسات المؤمّن عليها بلغ 90.1 مليار دولار في الربع الثاني من 2026، بزيادة 12% فصلياً، فيما ارتفع صافي هامش الفائدة إلى 3.32%، ونمت الودائع المحلية للربع الثامن على التوالي.

البنوك سترد بالذكاء الاصطناعي أيضاً

الدفاع الأول سيكون جعل الأموال تغادر الحساب منخفض العائد دون أن تغادر البنك نفسه: حسابات ادخار أعلى فائدة، صناديق سوق مال داخلية، خدمات استثمار آلية وبرامج ولاء تربط سعر الوديعة بالبطاقات والقروض وإدارة الثروات.

كما يمكن للبنوك نشر وكلائها الخاصين قبل منافسيها. ووفق رويترز، قال الرئيس التنفيذي لـBank of America برايان موينيهان إن البنك أنفق نحو 400 مليون دولار على تحسينات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي وحقق نحو 800 مليون دولار من خفض التكاليف وزيادة الإيرادات. وتقدر UBS أن البنوك الرقمية المتقدمة قد تحقق خفضاً إجمالياً في المصروفات النقدية بين 15% و18%، وإن كانت استثمارات التكنولوجيا قد تلتهم نحو نصف الوفورات.

المشكلة ليست هروب الودائع بل إعادة تسعيرها

يقول خبراء أسواق المال إن سيناريو فقدان 500 مليار دولار يبدو أقرب إلى اختبار ضغط لقيمة امتياز الودائع منه إلى توقع بانهيار مصرفي، فلا يزال على وكلاء الذكاء الاصطناعي تجاوز عقبات الثقة والأمن والمسؤولية القانونية، كما أن المودعين لن يسمحوا بالضرورة لبرنامج مستقل بالتحكم الكامل في أموالهم، وفق فايننشال تايمز.

لكن الاتجاه الاقتصادي أكثر صعوبة في تجاهله، فإذا جعل الذكاء الاصطناعي مقارنة العوائد وتحريك الأموال شبه مجانية، فإن الوديعة التي كانت تستقر سنوات عند فائدة تقترب من الصفر قد تصبح سيولة تبحث عن أفضل سعر كل يوم، وحينها لن يختفي دور البنوك، لكن أحد أهم مصادر أرباحها التاريخية قد يتقلص: ربحها من عدم قيام العميل بأي شيء.

وفي عالم يستطيع فيه وكيل رقمي التفاوض والتحويل نيابة عنه، تصبح «كسل الأموال» مورداً أكثر ندرة، وأكثر تكلفة.



Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى