

وبينما تتسابق شركات الذكاء الاصطناعي، مثل «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك»، للحصول على قدرات حوسبة أكبر لتطوير نماذجها، بات تنفيذ هذه الخطط يعتمد بدرجة كبيرة على شركات بنية تحتية حديثة العهد، تحتاج إلى تمويل مليارات الدولارات لبناء مراكز البيانات وشراء الرقائق وتأمين إمدادات الكهرباء.
وتشير تقديرات إلى أن الإنفاق الأميركي على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي قد يتجاوز 10 تريليونات دولار بين عامي 2025 و2032، لكن حجم الاستثمارات المتوقع بدأ يصطدم بعقبات التمويل والتراخيص والجدول الزمني للتنفيذ، إلى جانب تصاعد اعتراضات المجتمعات المحلية على إقامة مراكز البيانات.
تعثر عشرات المشروعات وتراجع ثقة المستثمرين
تأثرت خطط التوسع بالفعل؛ إذ تأجلت أو سُحبت أو واجهت حظراً 47 مشروعاً كبيراً على الأقل خلال عام 2026، وفق بيانات شركة «ريغ لاير» المتخصصة في معلومات اللوائح التنظيمية. ووصفت الشركة هذا الرقم بأنه تقدير متحفظ يركز على أكبر المواقع.
وفي مؤشر آخر على الفجوة بين الخطط المعلنة والمشروعات القابلة للتنفيذ، قدّر محللون في مؤسسة «بيرنستين» أن نحو 35% فقط من مشروعات مراكز البيانات المخطط لها في الولايات المتحدة تتمتع بمصداقية كافية، وفق تقييمهم المنشور خلال الشهر الحالي.
ولا تقتصر العقبات على التمويل أو البناء، إذ حاولت أكثر من ألف منطقة ومجتمع محلي في الولايات المتحدة فرض وقف مؤقت أو قيود أخرى على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي خلال العام، بحسب بحث أجرته صحيفة «فاينانشال تايمز». وتعكس هذه التحركات تصاعد المقاومة المحلية لمشروعات مراكز البيانات، التي تتطلب مساحات واسعة وقدرات كبيرة من الكهرباء.
وامتدت الضغوط إلى الأسواق المالية خلال الأسبوع، مع تراجع حاد في أسعار ديون عدد من شركات البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، وهبوط أسهم شركات مدرجة في القطاع. وخسرت أسهم شركة «كور ويف»، المتخصصة في الحوسبة السحابية والمدعومة بالطلب على الذكاء الاصطناعي، نحو 25% من قيمتها خلال الأسبوع، وسط مخاوف المستثمرين بشأن قدرتها على تمويل التزاماتها المستقبلية.
ارتفاع تكلفة التمويل يضغط على شركات مراكز البيانات
وتعتمد شركات الحوسبة السحابية الناشئة، المعروفة باسم «نيو كلاود»، على الاقتراض وجمع الأموال من المستثمرين لبناء مراكز البيانات وتوفير الرقائق والطاقة اللازمة لتشغيلها. وتراهن هذه الشركات على عقود مستقبلية ضخمة مع شركات التكنولوجيا، لكن تنفيذها يتطلب إنفاقاً كبيراً قبل أن تتحول الإيرادات المتوقعة إلى تدفقات نقدية فعلية.
وتواجه شركة «إس بي إنرجي»، المملوكة بأغلبية لشركة «سوفت بنك» والمدعومة من «أوبن إيه آي» و«إنفيديا»، تحدياً تمويلياً واضحاً. فالشركة لم تستكمل بناء مركز بيانات واحد حتى الآن، بينما تحتاج إلى نحو 174 مليار دولار من رأس المال لتلبية عقود تُقدّر إيراداتها المستقبلية بنحو 430 مليار دولار، يأتي الجزء الأكبر منها من «أوبن إيه آي». وقد أجّلت الشركة خطط طرح أسهمها للاكتتاب العام عند تقييم مستهدف يبلغ 50 مليار دولار.
وفي السياق نفسه، قال الرئيس التنفيذي لشركة «نيبيوس»، أركادي فولوش، خلال مؤتمر لـ«سيتي» في سبتمبر، إن تمويل خطط الشركة لبناء قدرة حوسبة تصل إلى 5 غيغاواط قد يتطلب نحو 250 مليار دولار، مشيراً إلى أن الشركة موّلت حتى ذلك الوقت نحو 20% فقط من المبلغ.
وتكشف هذه الأرقام عن الفجوة بين حجم الاستثمارات اللازمة لبناء البنية التحتية والقدرة على توفير التمويل في الوقت المناسب، خصوصاً مع تراجع شهية المستثمرين للمخاطر.
تأخيرات التنفيذ تهدد العقود والإيرادات
لا تقتصر المخاطر على قدرة الشركات على جمع الأموال؛ إذ يمكن أن تمنح تأخيرات البناء العملاء، الذين يشملون شركات التكنولوجيا الكبرى ومختبرات الذكاء الاصطناعي، حق الانسحاب من العقود إذا لم تُسلَّم المشروعات في المواعيد المحددة.
وفي أحد الأمثلة، وافقت «سايفر» الشهر الماضي على تحمل أول 359 مليون دولار من تجاوزات التكاليف، مقابل الحصول على مهلة إضافية لتسليم موقع في ولاية تكساس. وتطلبت التعديلات نحو 750 مليون دولار من رأس المال الإضافي، جرى تمويل جزء منه عبر إصدار سندات قابلة للتحويل بقيمة 850 مليون دولار خلال الأسبوع الحالي.
وتواجه شركة «إنسكل»، ومقرها لندن، بدورها اختباراً تمويلياً؛ إذ يمكن لشركة «أنثروبيك» الانسحاب من صفقة تبلغ قيمتها 45 مليار دولار إذا لم تلتزم «إنسكل» بالمواعيد المحددة للتمويل أو التسليم في مشروع رئيسي بولاية فرجينيا الغربية. وتستهدف الشركة طرح أسهمها في نيويورك عند تقييم يبلغ 35 مليار دولار، لكن تقلبات الأسواق تجعل تنفيذ الخطة في المدى القريب أكثر صعوبة.
طفرة تتجاوز موجات البنية التحتية السابقة
توضح تقديرات الإنفاق حجم الرهان على الذكاء الاصطناعي. فبحسب تقديرات الاقتصادي ستاين فان نيونويربرغ، من كلية كولومبيا للأعمال، الواردة في ورقة لمؤسسة «بروكينغز»، قد يتجاوز الإنفاق الأميركي على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي 10 تريليونات دولار خلال الفترة من 2025 إلى 2032، بما يعادل نحو 3.6% من الناتج المحلي الإجمالي الأميركي سنوياً.
وتفوق هذه النسبة، وفق التقديرات، ما ارتبط بموجات سابقة من الاستثمار في البنية التحتية، مثل السكك الحديدية والطرق السريعة والكهرباء. لكن الاختلاف الأساسي يتمثل في أن العائد على الاستثمارات الحالية يعتمد على استمرار نمو الطلب على قدرات الحوسبة وتحول هذا الطلب إلى إيرادات قادرة على تغطية تكاليف البناء والتمويل والتشغيل.
كما يواجه القطاع تحديات في الحصول على الموافقات اللازمة للبناء والربط بشبكات الكهرباء؛ إذ باتت بعض الجهات التنظيمية للمرافق تشترط على المشروعات توفير مصادر الطاقة الخاصة بها قبل السماح بربطها بالشبكة.
وتجسد مبادرة «ستارغيت»، التي تبلغ قيمتها المعلنة 500 مليار دولار، حجم الطموحات والعقبات في آن واحد، بعدما واجهت مشكلات في تراخيص التخطيط وتأخيرات في المشروعات، إلى جانب مغادرة مسؤولين تنفيذيين.
وبذلك، لا تعني الضغوط الحالية بالضرورة انتهاء طفرة الذكاء الاصطناعي، لكنها تكشف أن استمرارها لن يعتمد على الطلب على الرقائق والنماذج وحده، بل أيضاً على قدرة الشركات على تمويل مراكز البيانات وإنجازها في موعدها وتحويل الاستثمارات الضخمة إلى إيرادات فعلية.




