شؤون عربية ودولية

الإمارات ومستقبل إدارة الثروات.. تحويل القدرة على الصمود إلى فرص استثمارية : CNN الاقتصادية



غالباً ما تُفهم القدرة على الصمود باعتبارها القدرة على تحمّل الاضطرابات، لكن هذا وحده لم يعد كافياً في إدارة الثروات، فالصمود الحقيقي يعني مواصلة اتخاذ قرارات تخدم أهدافاً واضحة رغم تغير الظروف، بما يحمي الأولويات، ويتيح الاستعداد لظهور الفرص، وهو ما يتجاوز مجرد استيعاب الصدمة إلى القدرة على التصرف بثقة بعدها، وتُعدّ دولة الإمارات العربية المتحدة من أبرز الأسواق التي تجسّد هذا المعنى، وبعد عامين أمضيتهما مؤخراً فيها رأيت كيف ينعكس انفتاح الدولة والتزامها بالتخطيط بعيد المدى على ثقة المستثمرين، وعلى الطريقة التي يبنون بها ثرواتهم ويديرونها.

ويتجاوز ما حققته الإمارات نجاحها في جذب رؤوس الأموال إلى تهيئة الظروف التي تتيح توظيفها بثقة، فقد أسهم اتساق السياسات، والبنية التحتية ذات المستوى العالمي، والتنويع الاقتصادي، والانفتاح على قطاعات جديدة، في إتاحة المزيد من الفرص، وتمنح هذه المقومات المستثمرين والعائلات ثقة أكبر في التوجه الاقتصادي للدولة، وهي ثقة يصعب توافرها اليوم في كثير من الأسواق، فرؤوس الأموال قد تنتقل سريعاً من سوق إلى أخرى، لكن اقتناع المستثمر بجدوى الاستثمار فيها يحتاج إلى وقت.

وتبرز أهمية هذه الثقة عندما تسود حالة من عدم اليقين، إذ يواجه المستثمر تحدياً في اتخاذ قراراته، إلى جانب ما قد تتعرض له استثماراته من تقلبات، لذلك لا تعتمد الاستراتيجيات المتينة لإدارة الثروات على توقع واحد أو ظروف معينة في السوق، بل تستعد للصدمات، وتحافظ على السيولة، وتساعد المستثمر على التكيف مع المتغيرات دون التخلي عن أهدافه طويلة الأجل، وبذلك تصبح القدرة على الصمود ميزة استثمارية فاعلة، تتجاوز دورها الدفاعي في حماية الثروة.

ويتطلب ذلك نظرة أشمل إلى الثروة، فالأداء الاستثماري مهم، وكذلك الحوكمة، والتخطيط لانتقال الثروة والمسؤوليات إلى الأجيال التالية، بالإضافة إلى السيولة، والقدرة على اتخاذ القرارات عبر الأجيال، ولم تعد تساؤلات أصحاب الثروات تقتصر على وجهة الاستثمار، بل تشمل كيفية تنظيم شؤونهم المالية بما يدعم طموحات أعمالهم وأولويات أسرهم والتحولات المستقبلية، وهكذا يتحول النقاش من المنتجات إلى الأهداف التي تخدمها، ومن المعاملات المنفردة إلى خطة متكاملة.

وتتمتع الإمارات بمقومات تؤهلها لدعم هذا التحول، فمنظومتها المالية، التي تزداد نضجاً، تجمع رواد الأعمال والشركات العائلية والمستثمرين والمستشارين في بيئة مهيأة للنمو طويل الأجل، ومع تنامي الثروات التي تُبنى وتُدار انطلاقاً من الدولة، تبرز فرصة لتطوير دورها من وجهة تستقطب رؤوس الأموال إلى مركز تُصاغ فيه استراتيجيات إدارة الثروات، فالمرحلة المقبلة لا تقتصر على استقطاب الثروات إلى الإمارات، بل تشمل ترسيخ دورها مركزاً تُتخذ فيه القرارات التي ترسم مستقبل هذه الثروات.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة للعائلات التي تمتد أعمالها واستثماراتها عبر دول متعددة، وتشمل قراراتها عملات وأطراً قانونية وأجيالاً مختلفة، ولا يمكن تلبية احتياجاتها من خلال معاملات متفرقة، فهي تحتاج إلى مشورة منسقة تربط الاستثمارات بالسيولة والحماية والتخطيط لانتقال الثروة، وتراعي واقع العيش والعمل في أسواق متعددة، فمع امتداد مصالح هذه العائلات عبر دول متعددة، فهي تحتاج إلى مشورة تراعي احتياجاتها في مختلف الأسواق التي ترتبط بها.

ويمثل الهنود ذوو الأعمال والمصالح الدولية مثالاً بارزاً على ذلك، فكثيرون منهم يؤسسون شركاتهم ويبنون مساراتهم المهنية في الإمارات، مع احتفاظهم بروابط تجارية وثقافية وعائلية وثيقة بالهند، وتشمل أولوياتهم بصورة متزايدة إدارة الثروة العائلية على أسس مهنية، وإعداد الجيل المقبل، ووضع أسس تضمن استمرارية إدارة الثروة العائلية عبر الأجيال، ويمكن للإمارات أن تكون قاعدة استراتيجية لتحقيق هذه الطموحات، بما يجمع بين قربها من الهند وبيئتها المتقدمة للتخطيط والاستثمار وانتقال الثروات، حيث يتجاوز دورها هنا الربط بين الأسواق لتصبح مركزاً لإدارة طموحات العائلة على المستوى العالمي.

وستعتمد المرحلة المقبلة من إدارة الثروات على جودة القرارات بقدر اعتمادها على الفرص الاستثمارية المتاحة، حيث يحتاج المستثمرون إلى من يساعدهم على التمييز بين تقلبات الأسواق العابرة والتحولات الهيكلية، وفهم كيفية تداخل المخاطر، وتقدير متى يكون التريث مناسباً ومتى يلزم التحرك العاجل، فإتاحة الفرص تفتح الباب أمام الاستثمار، لكن حسن التقدير هو ما يحدد كيفية الاستفادة منها، وهنا تتجلى قيمة المشورة الموثوقة.

ويمكن للتكنولوجيا أن تدعم هذه العملية، فالمعلومات الدقيقة، والأدوات الرقمية، والمنصات سهلة الاستخدام، تمنح العملاء رؤية أوضح لشؤونهم المالية وتسرّع التعاملات المعتادة، لكن المعلومات وحدها لا تكفي لبناء الثقة بالقرار، وينبغي أن تساعد التكنولوجيا على جعل النقاش مع العميل أكثر دقة، وإبراز الخيارات المناسبة، وإتاحة وقت أطول للمستشارين للتقييم وفهم الظروف المحيطة بكل قرار، فالتكنولوجيا تستطيع تسريع اتخاذ القرار، لكنها لا تستطيع تحمّل تبعاته.

والنموذج الأكثر فاعلية هو الذي يجمع بين سهولة الخدمات الرقمية والمسؤولية البشرية عن المشورة، فالعميل ينبغي أن يتمكن من إدارة ثروته بسلاسة، مع الاستعانة بمستشارين يراجعون معه افتراضاته، ويربطون بين قراراته المختلفة، ويساعدون أفراد العائلة على الحفاظ على توافقهم، ولذلك يقوم مستقبل المشورة على حسن التقدير البشري، تدعمه قدرات التقنيات الرقمية الذكية.

ويفرض ذلك معايير أعلى على المؤسسات المالية، فحضورها العالمي يكتسب قيمته عندما يترجم إلى مشورة ملائمة لاحتياجات العميل وحلول مالية تُنفَّذ بتنسيق متكامل بين الجهات المعنية، وستتميز المؤسسات بقدرتها على فهم مختلف جوانب الشؤون المالية للعميل، وتوظيف الخبرات المناسبة لخدمته في الوقت المناسب، فالحضور العالمي يكتسب قيمته حين يلمس العميل أثره في خدمة مصممة لتلبية احتياجاته الخاصة.

والدرس واضح أيضاً للمستثمرين، فالقدرة على الصمود لا تعني تجنب المخاطر، وإنما بناء خطة متينة بما يكفي لتحمل الاضطرابات، ومرنة بما يتيح اغتنام الفرص، ويتحقق ذلك بالتنويع المدروس، وتوفير السيولة المناسبة، واتخاذ خيارات ترتبط بالأهداف الشخصية والعائلية، فالغاية ليست توقع كل أزمة، بل بناء خطة تمنح المستثمر الثقة بقدرته على اجتيازها.

ومن ثم فإن المرحلة المقبلة للإمارات في إدارة الثروات تتجاوز النمو في الحجم، لتشمل ترسيخ مكانتها مركزاً لاتخاذ القرارات المدروسة، تلتقي فيه رؤوس الأموال والطموحات والمشورة لخدمة أهداف بعيدة المدى، وفي عالم يصعب التنبؤ بمساراته، يمكن لهذا الدور أن يحوّل قدرة الإمارات على الصمود من قوة وطنية إلى ميزة مستدامة للمستثمرين والعائلات، ولعل أهم ما تقدمه الإمارات لأصحاب الثروات في نهاية المطاف هو الثقة بقدرتهم على التعامل مع ما يحمله المستقبل، مهما تعذّر التنبؤ به.



Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى