

وفي أحدث خطوة في هذا الاتجاه، تخطط الحكومة الأميركية لتوفير تمويل يقارب 4.2 مليار دولار لشركة Vistra لزيادة إنتاج الكهرباء من أسطولها النووي، في تحرك يأتي مع تسارع الطلب على الطاقة من مراكز البيانات والتوسع في الذكاء الاصطناعي، إلى جانب السيارات الكهربائية وتعدين العملات المشفرة.
4.2 مليار دولار لزيادة إنتاج مفاعلات قائمة
يستهدف التمويل المرتقب دعم عمليات زيادة القدرة الإنتاجية للمفاعلات النووية القائمة، المعروفة باسم «uprates»، بدلًا من انتظار إنشاء مفاعلات جديدة بالكامل.
وتدير Vistra ستة مفاعلات موزعة على أربع محطات نووية، بإجمالي قدرة تتجاوز 6.5 غيغاواط، وهي كمية تكفي لتزويد نحو 3.25 مليون منزل بالكهرباء، وفق البيانات الواردة في تقرير رويترز.
وتكمن أهمية زيادة إنتاج المفاعلات القائمة في أنها قد توفر قدرات إضافية خلال فترة أقصر وبكلفة أقل من بناء محطة نووية جديدة من الصفر، إذ يمكن تحقيق الزيادة من خلال تحسينات فنية في المعدات أو الوقود أو أنظمة التشغيل.
وتأتي هذه الخطوة في وقت تواجه فيه شبكة الكهرباء الأميركية تحديًا جديدًا: الطلب الذي كان شبه مستقر لسنوات بدأ في الارتفاع مجددًا، وهذه المرة صار مدفوعًا جزئيًا بالاقتصاد الرقمي.
الذكاء الاصطناعي يغير معادلة الكهرباء
تحتاج نماذج الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات التي تدربها وتشغلها إلى كميات هائلة من الكهرباء، ليس فقط لتشغيل الخوادم، وإنما أيضًا لتبريدها وإدارة البنية التحتية المحيطة بها.
وتشير إدارة معلومات الطاقة الأميركية إلى أن استهلاك الكهرباء في الولايات المتحدة ظل شبه ثابت لنحو 15 عامًا، قبل أن يرتفع متوسط النمو إلى 2.1% سنويًا خلال السنوات الخمس الماضية.
وتتوقع الإدارة استمرار نمو استهلاك الكهرباء حتى 2050 بمعدل يتراوح بين 0.9% و1.6% سنويًا، مع اعتبار استهلاك مراكز البيانات أحد العوامل الرئيسية وراء هذا النمو.
وفي توقعاتها قصيرة الأجل، تتوقع إدارة معلومات الطاقة وصول مبيعات الكهرباء الأميركية إلى نحو 4,135 مليار كيلوواط/ساعة في 2026، ثم إلى 4,211 مليار كيلوواط/ساعة في 2027، مع كون توسع مراكز البيانات وزيادة النشاط الصناعي من المحركات الرئيسية للطلب.
مراكز البيانات تقترب من ابتلاع حصة أكبر من الكهرباء
لا يتعلق الأمر فقط بعدد أكبر من الخوادم، بل بارتفاع كثافة استهلاكها للطاقة مع توسع تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
وتقدر إدارة معلومات الطاقة أن استهلاك خوادم مراكز البيانات في الولايات المتحدة بلغ نحو 7% من استهلاك الكهرباء في القطاع التجاري خلال 2025.
وبحلول 2050، قد يصل استهلاك خوادم مراكز البيانات إلى ما بين 446 و818 مليار كيلوواط/ساعة سنويًا، بحسب سيناريوهات الطلب على الكهرباء التي تضعها الإدارة.
كما تشير وزارة الطاقة الأميركية إلى أن مراكز البيانات قد تمثل ما يصل إلى 9% من إجمالي استهلاك الكهرباء الأميركي بحلول 2030، مقارنة بنحو 4% في 2023 وفق تقديرات معهد أبحاث الطاقة الكهربائية.
وهنا تظهر المشكلة الأساسية: مركز بيانات الذكاء الاصطناعي لا يحتاج إلى الكهرباء بكميات ضخمة فقط، بل يحتاج إليها باستمرار.
لماذا النووي تحديدًا؟
الطاقة الشمسية وطاقة الرياح تستطيعان إضافة قدرات جديدة بسرعة نسبية، لكن إنتاجهما يعتمد على ظروف الطقس ووقت اليوم.
أما المحطات النووية فتقدم ما يعرف بالطاقة المستقرة أو القابلة للاعتماد على مدار الساعة، وهي ميزة مهمة لمراكز البيانات التي لا يمكنها ببساطة إيقاف عملياتها عندما تغيب الشمس أو تتراجع سرعة الرياح.
ولهذا بدأت شركات التكنولوجيا نفسها في الدخول مباشرة إلى سوق الطاقة النووية.
فقد أبرمت Amazon في سبتمبر اتفاقًا طويل الأجل مع Constellation Energy لدعم توسعة محطة Calvert Cliffs النووية في ولاية ماريلاند، في صفقة تمتد 20 عامًا، في خطوة تعكس بحث شركات التكنولوجيا عن مصادر كهرباء مستقرة لمواكبة الطلب المرتبط بالبنية التحتية للحوسبة.
كما أعلنت Meta شراكات واتفاقات مرتبطة بالطاقة النووية تستهدف توفير ما يصل إلى 6.6 غيغاواط من الطاقة النووية الجديدة والقائمة بحلول 2035، بما في ذلك اتفاقات مع Vistra.
المشكلة ليست في المفاعلات فقط.. بل في الشبكة
زيادة إنتاج الكهرباء لا تعني تلقائيًا أن هذه الكهرباء ستصل إلى مراكز البيانات في المكان والوقت المطلوبين.
فالولايات المتحدة تواجه أيضًا حاجة متزايدة إلى شبكات نقل كهرباء جديدة، بعدما أصبحت طلبات الربط الخاصة بمراكز البيانات والمصانع والمنشآت الصناعية الكبيرة تضغط على قدرات الشبكة الحالية.
وتقول وزارة الطاقة إن نمو الأحمال الناتج عن مراكز البيانات والتصنيع المحلي والاستهلاك الصناعي المتزايد يجعل توسيع البنية التحتية لنقل الكهرباء أمرًا ملحًا.
وهكذا تتحول طفرة الذكاء الاصطناعي إلى استثمار ضخم لا يقتصر على الرقائق والخوادم ومراكز البيانات، وإنما يمتد إلى المفاعلات ومحطات الكهرباء وشبكات النقل وخطوط التوزيع.
واشنطن تريد مضاعفة الرهان على النووي
التمويل المرتقب لـVistra ليس خطوة منفصلة، بل جزء من توجه أميركي أوسع لإعادة توسيع القطاع النووي.
وتستهدف الإدارة الأميركية رفع القدرة النووية من نحو 100 غيغاواط حاليًا إلى 400 غيغاواط بحلول 2050، أي مضاعفتها أربع مرات، مع التركيز على المفاعلات الجديدة وكذلك زيادة إنتاج المفاعلات القائمة.
كما أطلقت وزارة الطاقة مبادرات لتسريع زيادة إنتاج المفاعلات الموجودة، وتستهدف إضافة ما لا يقل عن 5 غيغاواط عبر عمليات رفع القدرة الإنتاجية للمفاعلات القائمة.
وتأتي هذه السياسة بالتوازي مع تمويلات أخرى للقطاع النووي؛ ففي يونيو أعلنت وزارة الطاقة عن قروض مشروطة بقيمة تصل إلى 17.5 مليار دولار لدعم سلسلة إمداد المفاعلات النووية الأميركية.
عصر الذكاء الاصطناعي يعيد رسم خريطة الطاقة
المعادلة الجديدة في الولايات المتحدة أصبحت أكثر وضوحًا:
ذكاء اصطناعي أكثر، مراكز بيانات أكبر، طلب أعلى على الكهرباء، حاجة إلى طاقة مستقرة، عودة الاستثمار في النووي.
لكن هذه العودة لا تعني أن الطاقة النووية ستستحوذ وحدها على نمو الكهرباء الأميركية.
فتوقعات إدارة معلومات الطاقة تشير إلى استمرار نمو الطاقة الشمسية والرياح، بينما يظل الغاز الطبيعي أحد المصادر الرئيسية لتلبية الطلب المتزايد.
لذلك فإن المعركة الحقيقية ليست بين الذكاء الاصطناعي والطاقة النووية، وإنما حول كيفية بناء منظومة كهرباء قادرة على مواكبة اقتصاد رقمي يستهلك الطاقة بوتيرة لم تشهدها الولايات المتحدة منذ سنوات طويلة.
وبينما كانت شركات التكنولوجيا في الماضي تركز على شراء الرقائق وبناء مراكز البيانات، أصبح تأمين الكهرباء نفسها جزءًا أساسيًا من سباق الذكاء الاصطناعي.
وهذا ما يفسر لماذا لم تعد المفاعلات النووية القديمة مجرد أصول للطاقة، بل أصبحت جزءًا من البنية التحتية الاقتصادية للذكاء الاصطناعي.
(رويترز)




