شؤون عربية ودولية

كيف يغيّر الذكاء الاصطناعي قواعد البيع والتسويق؟ : CNN الاقتصادية



لأكثر من قرن، بُنيت صناعة التسويق على افتراض بسيط يكاد لا ننتبه إليه: من نحاول إقناعه بالشراء هو إنسان. لهذا صممنا إعلانات تلفت انتباهه، وشعارات تبقى في ذاكرته، ومتاجر تدفعه إلى التجول فيها، ومواقع تجعل الوصول إلى زر الشراء أسهل، وقصصاً تربط المنتجات بمشاعره وهويته وطموحاته.

أنفقنا المليارات على دراسة سلوك المستهلك لأن الوصول إلى قراره كان دائماً مفتاح الوصول إلى محفظته.

لكن ماذا لو لم يعد المستهلك هو من يتخذ القرار وحده؟

تخيل أنك تريد شراء حاسوب محمول جديد. وبدلاً من فتح محرك بحث، وقراءة عشرات المراجعات، وزيارة مواقع المتاجر، ومقارنة الأسعار بنفسك، تقول لوكيلك الشخصي المدعوم بالذكاء الاصطناعي: «أريد أفضل حاسوب يناسب عملي، بميزانية لا تتجاوز 800 دولار. أحتاج بطارية قوية، ولا أريد جهازاً ثقيلاً، ويجب أن يصل قبل الخميس». ثم تتركه يعمل.

يبحث الوكيل في عشرات المتاجر، ويقرأ المواصفات والمراجعات، ويقارن الأسعار وشروط الضمان وسياسات الإرجاع ومواعيد التوصيل، ثم يستبعد الخيارات التي لا تناسب احتياجاتك. وربما يستفيد أيضاً من معرفته السابقة بطريقة عملك والأجهزة التي تستخدمها. وفي النهاية، لا يكتفي بتقديم توصية، بل قد يشتري الجهاز نيابة عنك ضمن الصلاحيات التي منحتها له.

هذا السيناريو لم يعد بعيداً كما قد يبدو.

وعند انتشار هذا النموذج في الشراء، لن يكون مجرد طريقة أكثر راحة للتسوق. سيضعنا أمام تغيير جذري في واحدة من أقدم قواعد التجارة: للمرة الأولى، قد تحتاج الشركات إلى إقناع الآلة قبل أن تتمكن من بيع المنتج للإنسان.

عميل جديد يقف بينك وبين عميلك

النظر إلى وكيل الذكاء الاصطناعي الذي يتولى التسوق باعتباره مجرد نسخة أكثر ذكاءً من محرك البحث يقلل كثيراً من حجم التحول الذي نشهده.

محرك البحث يساعدني على العثور على الخيارات، لكنه يتركني أقرر. أما الوكيل الذكي فهو مختلف، يمكنه أن يعرف تفضيلاتي، ويبحث نيابة عني، ويختصر السوق إلى عدد محدود من الخيارات، وربما يتخذ القرار وينفذه ضمن الحدود التي أحددها.

وهنا يظهر لاعب جديد في رحلة العميل.

كيف تسوّق إلى عميل لا يتأثر بالإعلان؟

لأكثر من قرن، قامت صناعة التسويق على افتراض بسيط يكاد لا ننتبه إليه: الطرف الذي نحاول التأثير فيه هو إنسان. لهذا نصمم إعلاناً يجذب انتباهه، وشعاراً يبقى في ذاكرته، وقصة تربط المنتج بمشاعره وطموحاته، ومتجراً يشجعه على التجول، وموقعاً يقلل عدد الخطوات بين الرغبة وزر الشراء.

حتى اليوم كانت العلامة التجارية تحاول الوصول إلى المستهلك بشكل أو آخر. لكن غداً، مع انتشار وكلاء الذكاء الاصطناعي، قد تصبح الرحلة بصورة متزايدة: شركة وكيل ذكي مستهلك.

وهذا الوسيط الجديد مختلف جذرياً عن أي وسيط عرفه التسويق من قبل. فالوكيل لا يشعر بالملل بعد مشاهدة عشرين منتجاً، ولا يحتاج إلى أن تكون المعلومة في أعلى الصفحة حتى يلاحظها. ويمكنه مقارنة مئات الخيارات في ثوانٍ، وتتبع تاريخ الأسعار، وقراءة شروط الضمان التي لا يقرأها معظمنا، وحساب التكلفة الحقيقية للملكية، وتحليل آلاف المراجعات بدلاً من الاكتفاء بأول خمس مراجعات تظهر أمامه.

والأهم أن الوكيل، نظرياً على الأقل، لا يبحث عن المنتج الذي حقق أفضل حملة إعلانية، بل عن المنتج الذي يحقق أهداف صاحبه بأفضل صورة. وهنا يبدأ السؤال الأصعب بالنسبة إلى كثير من العلامات التجارية.

فإذا أصبح الوكيل هو من يبحث ويقارن ويختصر مئات الخيارات إلى ثلاثة، فإن معركة الشركات لن تعود فقط حول كيفية ظهور منتجاتها أمام المستهلك، بل حول كيفية ظهور منتجاتها وخدماتها أصلاً ضمن الخيارات التي يقرر وكيله الذكي أنها مناسبة وتستحق أن يراها.

ماذا يحدث لقوة العلامة التجارية؟

لن تختفي العلامات التجارية بالطبع. فالبشر لن يتحولوا فجأة إلى كائنات عقلانية لا تهتم بالهوية أو المكانة أو الجمال. سنظل نحب علامات معينة ونثق بأخرى، وسنظل نشتري أحياناً لأن المنتج جميل، أو لأن العلامة تعبّر عن هويتنا، أو لأننا ببساطة نريد امتلاكها.

من نتائج محركات البحث إلى شيء جديد تماماً

على مدى العقدين الماضيين، بنت شركات كاملة استراتيجياتها الرقمية حول سؤال واحد: كيف نظهر عندما يبحث الإنسان؟

ومن هذا السؤال ولدت صناعة هائلة لتحسين الظهور في محركات البحث، ثم جاءت شبكات التواصل الاجتماعي واقتصاد المؤثرين ومحركات التوصية.

لكن في عالم الوكلاء قد يصبح السؤال: «كيف نجعل منتجاتنا مفهومة وقابلة للتقييم والشراء بواسطة الآلات؟»

قد لا يهتم الوكيل كثيراً بمدى جمال صفحة المنتج إذا لم يستطع فهم المعلومات الموجودة فيها. ولن تفيد الشركة صورة رائعة إذا كانت معلومات الضمان ناقصة، أو شروط الإرجاع غامضة، أو مواصفات المنتج غير منظمة بطريقة تستطيع أنظمة الذكاء الاصطناعي قراءتها وفهمها.

فجأة، تصبح أمور كانت تبدو تشغيلية جزءًا من التسويق نفسه: جودة بيانات المنتج، ودقة الأسعار، ووضوح المواصفات، وموثوقية التوصيل، وشروط الضمان والإرجاع، والسمعة الرقمية، والاهم من كل هذا قدرة أنظمة الشركة على التواصل مباشرة مع وكلاء الذكاء الاصطناعي.

في الإنترنت القديم، كان على موقعك أن يكون قابلاً للاكتشاف عبر محركات البحث. أما في الإنترنت القادم، فقد تحتاج منتجاتك ومتاجرك الإلكترونية نفسها إلى أن تكون قابلة للفهم والتقييم والتعامل معها بواسطة أنظمة الذكاء الاصطناعي. وهذا سيخلق سباقاً جديداً يشبه سباق تحسين الظهور في نتائج محركات البحث (SEO) الذي شهدناه في بدايات الإنترنت، لكنه هذه المرة لن يركز على جذب انتباه الإنسان وحده، بل على انتباه الآلة، وقدرتها على فهم المنتج وتقييمه.

عندما لا يعود الإعلان هو الطريق إلى العميل

هناك مسألة أخرى ربما تكون أكثر إثارة. جزء كبير من اقتصاد الإنترنت الحالي قائم على مورد نادر: انتباه الإنسان. والإعلان، بأشكاله المختلفة، هو في جوهره محاولة مستمرة لشراء جزء من هذا الانتباه.

وقد بنت منصات عديدة إمبراطوريات رقمية ضخمة لأن الشركات مستعدة للدفع مقابل بضع ثوانٍ من انتباه المستخدم.

لكن الوكيل الذكي قد لا يحتاج إلى تصفح الإنترنت بالطريقة نفسها التي نفعلها نحن. فقد أرى عشرة إعلانات أثناء البحث عن فندق، وأتأثر ببعضها وبعروضها، بينما يستطيع وكيلي التواصل مباشرة مع عشرات أنظمة الحجز، ومقارنة الخيارات، ثم العودة إليّ بعدد محدود من التوصيات.

عندما تبدأ الآلات بالتفاوض على السعر

وهناك شيء آخر قد تستطيع الآلة القيام به أفضل منا: التفاوض

تخيل مستقبلًا لا يكتفي فيه ملايين الوكلاء بالبحث عن أفضل الأسعار، بل يتفاوضون أيضًا مع وكلاء يمثلون الشركات. يقول وكيل المشتري: «صاحبي مستعد للشراء اليوم إذا خفضتم السعر 5% وأضفتم التوصيل المجاني». فيرد وكيل البائع، بعد أن يحسب هامش الربح والمخزون واحتمال خسارة العميل: «3% وتوصيل مجاني».. وكل ذلك قد يحدث في أجزاء من الثانية. عندها يمكن أن ينتقل جزء من التجارة من عالم الأسعار المعروضة إلى عالم الأسعار التي يتم التفاوض عليها خوارزمياً.

عند تطور هذا النموذج على نطاق واسع، فقد نجد أنفسنا أمام سؤال جديد: «كيف يبدو اقتصاد تبدأ فيه الآلات بالشراء من الآلات؟»

لكن من المسؤول عندما تشتري الآلة الشيء الخطأ؟

كلما منحنا الوكيل استقلالية أكبر، أصبح سؤال المسؤولية أكثر إلحاحاً. فإذا طلبت من وكيلي حجز أفضل رحلة ممكنة إلى باريس بأقل من 1000 دولار، ثم حجز رحلة غير قابلة للاسترداد في اليوم الخطأ، فمن يتحمل المسؤولية؟ أنا لأنني أعطيته التعليمات؟ الشركة التي طورت الوكيل؟ أم التاجر الذي قبل عملية نفذتها آلة؟

الشركات التي تستعد للعميل الخطأ

ربما يكون الخطأ الأكبر الذي يمكن أن ترتكبه الشركات الآن هو النظر إلى الذكاء الاصطناعي فقط باعتباره أداة تساعدها على بيع المزيد للعملاء الحاليين. نستخدمه لكتابة الإعلانات بسرعة أكبر، وخفض تكلفة تصميم الحملات، وتخصيص الرسائل بصورة أفضل، وتشغيل تطبيقات المحادثة لخدمة العملاء. كل هذا مفيد. لكنه يفترض أن رحلة الشراء نفسها ستبقى كما هي. لكن ماذا لو لم تبق كذلك؟

عندما ظهر الإنترنت، اعتقدت شركات كثيرة أن المطلوب هو إنشاء نسخة رقمية من الكتيب الورقي. ثم اكتشفت أن الإنترنت لم يغيّر الإعلان فقط، بل أعاد تشكيل التوزيع والتسعير والمنافسة وعلاقة الشركة بعميلها.

وقد نكون في لحظة مشابهة. لذلك ربما ينبغي لكل قائد أعمال أن يبدأ بطرح سؤال لم يكن موجوداً في اجتماعات التسويق حتى وقت قريب:

إذا جاء إلى شركتي غداً عميل ليس إنساناً، فهل يستطيع أن يفهم ما أبيعه؟ وهل يستطيع أن يثق بالمعلومات التي أقدمها، ويقارن عرضي بالخيارات الأخرى، ويتعامل مع أنظمتي، ثم يشتري مني ويدفع لي؟

إقناع الإنسان لم يعد كافياً

لكن في عصر وكلاء الذكاء الاصطناعي، نحن لا نتحدث فقط عن طريقة أسرع للتسوق، بل عن تحول في واحدة من أقدم قواعد التجارة: للمرة الأولى، قد تحتاج الشركة إلى إقناع الآلة قبل أن تتمكن من بيع المنتج للإنسان.

لذلك، قد لا يقتصر مستقبل التجارة على التأثير في قرار الإنسان بالشراء، بل قد يتطلب أيضاً إثبات قيمة المنتج أمام آلة قادرة على مقارنته بآلاف البدائل، واقناعها بأن منتجك هو الأفضل.

الإنسان يجب أن يرغب في منتجك، والآلة يجب أن تقتنع بأنه الخيار الأفضل له

لأكثر من قرن، تعلمت الشركات كيف تؤثر في الإنسان الذي يحمل المحفظة. الآن، وللمرة الأولى، قد تحتاج أيضاً إلى تعلم كيف تتعامل مع الذكاء الذي سيحمل المحفظة نيابة عنه.



Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى