

ولهذا، أرى أن النقاش حول الاتصال المباشر بين الأجهزة والأقمار الاصطناعية يجب أن يتجاوز السؤال عمّا تستطيع التكنولوجيا إنجازه، ليبدأ بسؤال أكثر أهمية: كيف نبني منظومة تجعل الاتصال أكثر شمولاً واستدامة، وقادرة على الوصول إلى الجميع؟
فرصة لتوسيع حدود الاتصال
حقق قطاع الاتصالات انتشاراً واسعاً خلال العقود الماضية، لكن خدماته لم تصل بعد إلى كل مكان. ففي المناطق النائية من إندونيسيا وأفريقيا جنوب الصحراء وأميركا اللاتينية، يعيش ملايين الأشخاص في مناطق تعاني من تغطية محدودة. وعلى مستوى العالم، لا يزال نحو 2.2 مليار شخص غير متصلين بالإنترنت، وفق تقديرات الاتحاد الدولي للاتصالات لعام 2025. وفي حين تغطي شبكات الجيل الخامس 84% من سكان الدول مرتفعة الدخل، لا تتجاوز هذه النسبة 4% في الدول منخفضة الدخل.
وتتعدد أسباب هذه الفجوة، لكن يظل توسيع التغطية أحد التحديات الأساسية. فالبنية التحتية التقليدية، من أبراج وألياف ضوئية، يصعب مدّها إلى بعض البيئات الجغرافية، مثل الجبال والجزر المعزولة والبحار، كما أن التوسع في بنائها قد لا يكون مجدياً اقتصادياً في المناطق المتفرقة ومحدودة الكثافة السكانية. فلا إشارة تربط مزارعاً بأسعار السوق، ولا اتصال يُمكّن صياداً من الإبلاغ عن حالة طارئة في عرض البحر، ولا إنترنت يُتيح لطفل في مكان بعيد الوصول إلى المنصات التعليمية.
ولا تقتصر الحاجة إلى هذه التقنية على المناطق النائية. فعندما تتعرض البنية التحتية لكارثة طبيعية أو يحتاج شخص إلى طلب المساعدة في منطقة يصعب الوصول إليها، يصبح الاتصال عنصراً أساسياً في حماية الأرواح واستمرارية خدمات الاتصال الحيوية.
الدرس الذي تعلّمه قطاع الاتصالات
يشير تاريخ قطاع الاتصالات إلى حقيقة واضحة. ففي مراحله الأولى، اتجه كل مشغّل إلى إنشاء شبكته الخاصة من أبراج وألياف ضوئية بصورة مستقلة، ما أدى إلى ارتفاع التكاليف، وتكرار البنية التحتية، وتباطؤ انتشار الخدمات. ومع انتقال القطاع إلى نماذج تقوم على مشاركة البنية التحتية والعمل وفق المعايير المشتركة، اتسعت التغطية وانخفضت التكاليف، مما وسّع نطاق خدمات الاتصال.
وبالنسبة إلى مشغّلي شبكات الهاتف المحمول، يتيح هذا النموذج توسيع نطاق خدماتهم إلى مناطق يصعب الوصول إليها عبر الشبكات الأرضية وحدها، مع الحفاظ على علاقتهم بعملائهم واستقلالهم التجاري. وبذلك، يصبح الاتصال الفضائي امتداداً لشبكاتهم، دون الحاجة إلى أن يستثمر كل مشغّل في بناء كوكبة خاصة به.
لماذا أصبح ذلك ممكناً الآن؟
حتى وقت قريب، كان الاتصال عبر الأقمار الاصطناعية يتطلب عادةً جهازاً متخصصاً مُصمَّماً لهذا الغرض، ويعتمد عليه من تتطلب طبيعة عملهم اتصالاً في أماكن لا تصلها الشبكات الأرضية، مثل الطواقم البحرية والصحفيين الميدانيين والمنظمات الإنسانية في مناطق الأزمات.
واليوم، يدخل الاتصال عبر الأقمار الاصطناعية مرحلة جديدة، تُصبح فيها هذه الخدمات متاحة عبر الهواتف الذكية المتوافقة، بدلاً من اقتصارها على الأجهزة المتخصصة، بما يفتح المجال أمام توسيع نطاق الاتصال إلى مناطق لم يكن من الممكن خدمتها عبر الشبكات الأرضية وحدها، ويعزز استمرارية الاتصال في مختلف الظروف.
ويستند هذا التحوّل إلى معايير الشبكات غير الأرضية ضمن مشروع شراكة الجيل الثالث التي تتيح دمج الاتصال عبر الأقمار الاصطناعية في منظومة الاتصالات المتنقلة. ويوفّر اعتماد معايير مشتركة أساساً للتوافق بين الأجهزة والشبكات، ويساعد مشغّلي الهاتف المحمول على دمج القدرات الفضائية ضمن خدماتهم وتوسيع نطاق استخدامها.
مشروع إكواتيس.. من الفكرة إلى التطبيق
من هذا المنطق تحديداً انطلق مشروع «إكواتيس»، المبادرة المشتركة بين «سبيس 42» و«فياسات»، الذي يهدف إلى بناء بنية تحتية فضائية وأرضية محايدة ومفتوحة، تتيح لمشغّلي شبكات الهاتف المحمول توسيع نطاق خدماتهم عبر الاتصال المباشر بين الأجهزة والأقمار الاصطناعية.
وقد اتخذ المشروع خطوة جديدة في سبتمبر 2026، مع توقيع الشركتين اتفاقية ملزمة للتأسيس المشترك لـ«إكواتيس»، تنص على مساهمات رأسمالية مجمّعة تصل إلى مليار دولار، بالتزامن مع اتفاقية لزيادة التمويل المشترك وتسريع تطوير الكوكبة الأولية.
ويستند المشروع إلى معايير 3GPP وإلى قدرات الشريكين في الوصول إلى أكثر من 100 ميغاهرتز من الطيف الترددي المنسّق عالمياً لخدمات الاتصالات المتنقلة عبر الأقمار الاصطناعية. وتشمل هذه القدرات حقوق «سبيس 42» في النطاق الترددي العريض عبر أكثر من 160 سوقاً، وحقوق «فياسات» في النطاق الترددي العريض (L Band) عالميا و(S Band) في أوروبا، إلى جانب اتفاقيات تجارية للشركتين مع أكثر من 400 مشغّل للهاتف المحمول حول العالم.
وتوفّر هذه المقومات أساساً لدعم اتصال الهواتف الذكية وأجهزة إنترنت الأشياء مباشرة بالأقمار الاصطناعية، وتقديم خدمات الصوت والرسائل والبيانات عندما تغيب التغطية الخلوية أو تكون محدودة. ويقوم المشروع على نموذج شركات أبراج الاتصالات، بما يتيح مشاركة البنية التحتية وتكاليفها، وتوسيع القدرات تدريجياً مع نمو الطلب.
هدف واحد يجمعنا
يجمعنا هدف واحد في مثل هذه الشراكات: أن يكون الاتصال متاحاً لمن يحتاج إليه، أينما كان ووقت حاجته إليه. فالمستخدم لا ينشغل بما إذا كان اتصاله يمرّ عبر برج أرضي أو قمر اصطناعي، ما يهمّه هو أن يبقى الاتصال متاحاً حين يحتاج إليه. ومن أجل هذا الهدف نبني شراكاتنا، ونعمل على تكامل قدراتنا وشبكاتنا. فهذا التعاون يحمل معنى خاصاً بالنسبة إليّ، انطلاقاً من قناعتي الشخصية بأن الاتصال هو حق إنساني. وتبقى مسؤوليتنا المشتركة إتاحة اتصال يمكن للناس الاعتماد عليه، مهما اختلفت الوسائل التي توصله إليهم.
تم إعداد هذه المقالة لصالح CNN الاقتصادية، والآراء الواردة فيها تمثّل آراء الكاتب فقط ولا تعكس أو تمثّل بأي شكل من الأشكال آراء أو وجهات نظر أو مواقف شبكة CNN الاقتصادية.




