

يمر سوق العمل العالمي حالياً بمرحلة إعادة تشكيل عميقة، فالدول النامية ما زالت تعاني من بعض الظواهر كضعف الحوكمة وانتشار البيروقراطية والفساد الإداري.
وفي المقابل لم تعد الاقتصادات الصناعية الكبرى قادرة على ضمان الاستقرار الذي اعتادته أجيال سابقة من العاملين، والسؤال الذي تطرحه هذه المقالة: إذا لم تعد الوظيفة نفسها ضماناً، فما الذي يحمي العامل اليوم؟
أولاً: نهاية الأمان الوظيفي بمفهومه التقليدي
في مايو 2026 قررت شركة ميتا الاستغناء عن نحو 10% من قوتها العاملة عالمياً، أي قرابة 8,000 موظف، جاء ذلك رغم أن الشركة حققت إيرادات بلغت 56.3 مليار دولار في الربع الأول من العام نفسه.
تكشف هذه المفارقة تحولًا جذريًا: فالملاءة المالية للشركة لم تعد وحدها ما يحدد استقرار العاملين فيها، وبالتالي هناك عوامل أخرى صارت مؤثرة في الاستقرار الوظيفي منها التحول نحو الذكاء الاصطناعي، والرغبة في تعظيم الأرباح، وأحياناً سوء الإدارة وغياب الحوكمة أو حتى بعض الظروف السياسية.
لذلك ينتقل الأمان الحقيقي للعامل تدريجياً من ثبات الوظيفة إلى امتلاك مهارات قابلة للتحديث والانتقال بين الوظائف والقطاعات، غير أن لهذا التحول ثمنًا نفسيًا وماليًا، إذ يجد العامل نفسه في حالة تأهب دائم لمجرد الحفاظ على موقعه.
ثانياً: فجوة المهارات هي التحدي الأكبر
يكشف تقرير «مستقبل الوظائف 2025» الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي في عام 2025 عن حجم التحدي، حيث أظهر أن 63% من أصحاب العمل يعتبرون فجوات المهارات أكبر عائق أمام تحول أعمالهم حتى 2030 و 85% يخططون لإعطاء الأولوية لرفع مهارات العاملين لديهم ، و70% يتوقعون توظيف أشخاص يمتلكون مهارات جديدة.
نحو 39% من المهارات الأساسية للعاملين ستتغير أو تتقادم بحلول 2030.
لهذا أصبحت المنافسة على المواهب تبدأ قبل التعيين نفسه، فالشركات تتنافس ببناء سمعة قوية كصاحب عمل، وبتقديم مسار واضح للتطور والترقي، وبأجور ومزايا تنافسية ولكن تبقى هنا معضلة، فقد يكون المسؤول عن التوظيف في إدارة الموارد البشرية غير مؤهل أصلًا لاكتشاف المواهب وتقييمها وتطويرها.
ثالثاً: التحولات الاقتصادية والتكنولوجية العالمية
والتقرير نفسه الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي في عام 2025 يُتوقع أن يطول تأثير الذكاء الاصطناعي مئات الملايين من الوظائف حول العالم، لكن هذا التأثير لا يعني الفقدان وحده، فالتقديرات تشير إلى استحداث نحو 170 مليون وظيفة جديدة بحلول 2030، مقابل اختفاء نحو 92 مليون وظيفة أو تغير طبيعتها.
وأعتقد أن الرابح في هذه المعادلة هو من يجمع بين خبرة تخصصية قوية وإتقان أدوات الذكاء الاصطناعي.
رابعاً: الواقع العربي في قلب هذه التحولات
يتسم الاقتصاد العربي بتركز شديد، فنحو 73% تقريبًا من الناتج المحلي الإجمالي العربي بالأسعار الجارية لعام 2025 يتمركز في خمس دول هي الإمارات والسعودية ومصر والجزائر والعراق، وفقًا لتقرير أداء الاقتصادات العربية خلال عام 2025 وتوقعات 2026، الصادر عن المؤسسة العربية لضمان الاستثمار وائتمان الصادرات.
كما تتفاوت معدلات البطالة تفاوتًا حادًا بين الدول العربية، فهي في قطر عند مستوى شديد الانخفاض يقارب 0.1%، بينما تبلغ في جيبوتي نحو 26% عام 2025، وفق التقديرات النموذجية لمنظمة العمل الدولية.
يعني هذا التفاوت أن فجوة المهارات في المنطقة العربية مزدوجة، ففي الاقتصادات الغنية يتمثل التحدي في مواكبة التحول التكنولوجي، أما في الاقتصادات الأضعف، فالتحدي الأساسي هو خلق فرص العمل من الأساس، ولا يمكن لسياسة واحدة أن تعالج الحالتين.
خامساً: التعليم يصنع عقلية لا مسمى وظيفياً
التعليم الحقيقي لا يقتصر على نقل المعرفة، بل يصنع عقلية، وهذه العقلية هي التي تحل المشكلات وتتخذ القرارات وتستشرف الأزمات قبل وقوعها، فكثير مما يدرسه الطلاب في الجامعات قد يُنسى، لكن طريقة التفكير ومنهج التحليل والقدرة على التعلم تبقى.
وتُعد جامعة ستانفورد نموذجًا بارزًا لربط التعليم بسوق العمل، فقد قدّرت دراسة أجرتها الجامعة عام 2012 أن خريجيها وأعضاء هيئة التدريس فيها أسسوا نحو 40 ألف شركة منذ ثلاثينيات القرن الماضي، من بينها Google وHP وCisco وYahoo، يُضاف إلى ذلك عدد كبير من التقنيات المرخصة وبراءات الاختراع، ولم يكن هذا النجاح ممكنًا لولا تجارب عديدة سبقته ولم يُكتب لها النجاح.
سادساً: البيئة المحلية تصنع الوظائف
يتأثر سوق العمل بالبيئة المحيطة تأثرًا كبيرًا، فالمدن الساحلية تنتج وظائف في السياحة والتجارة الخارجية أكثر من المدن الداخلية، والمدن الصناعية يعمل معظم سكانها في مصانعها.
ومن أوضح الأمثلة على ذلك منطقة سيالكوت الباكستانية، فقد نشأت فيها تجمعات إنتاجية كاملة متخصصة في صناعة كرات القدم، وأصبحت المهارات وسلاسل التوريد وفرص العمل في مجتمعات محلية عديدة تدور حول منتج واحد، حتى تحولت المنطقة إلى مركز عالمي لتصدير الكرات الرياضية.
والدرس هنا أن تنمية المهارات تنجح أكثر حين تُبنى على المزايا النسبية لكل منطقة.
سابعاً: نجوم المهن
قد يكون من الطبيعي أن نجد تفاوتًا كبيرًا في الدخول داخل المهنة الواحدة؛ فالأجور الضخمة التي تتصدر الأخبار عادةً لا تمثل متوسط ما يحصل عليه العاملون في المهنة، وإنما تتركز لدى شريحة محدودة من «النجوم» الذين يمتلكون مهارات استثنائية أو شهرة وقيمة سوقية مرتفعة، وتقدم كرة القدم مثالًا واضحًا على ذلك؛ فوفقًا لتقرير FIFA والصادر عام 2023 بلغ عدد لاعبي كرة القدم المحترفين الرجال عالميًا نحو 128.7 ألف لاعب موزعين على قرابة 4 آلاف نادٍ، إلا أن دراسة عالمية لـFIFPRO في عام 2016 شملت نحو 14 ألف لاعب أظهرت أن أكثر من 45% يتقاضون أقل من ألف دولار شهريًا، ونحو 74% أقل من 4 آلاف دولار شهريًا، بينما لا تتجاوز نسبة من يحصلون على 720 ألف دولار سنويًا أو أكثر نحو 2% فقط، أي أن الصورة الذهنية عن الرواتب الفلكية للاعبي الكرة تصنعها في الأساس قمة صغيرة جدًا من الهرم المهني، وهو نمط يمكن ملاحظته كذلك في مجالات مثل الفن والإعلام والإدارة والاستشارات؛ فالنجومية والدخل الاستثنائي يخصان القلة، ولا يعبران بالضرورة عن المستوى المادي للغالبية داخل المهنة.
والدرس المهم هنا ألّا يقيس فرصه في أي مهنة بدخول نجومها، وأن يدرك أن ما يرفعه من القاعدة نحو القمة ليس المسمى المشترك بينه وبينهم، بل المهارة النادرة والقيمة التي يضيفها ولا يستطيع غيره تقديمها بسهولة.
ثامناً: ما بعد الوظيفة، الأثر لا اللقب
انتشر في السنوات الأخيرة ما يمكن تسميته «هوس ريادة الأعمال»، حيث أصبحت الريادة هدفًا في ذاتها ولقبًا يُلهث وراءه، دون نظر حقيقي إلى القيمة المضافة، والقيمة الحقيقية لأي عمل تكمن في أثره على المجتمع، مهما بدا للبعض متواضعاً.
ويُعد الاقتصادي البنغلاديشي محمد يونس نموذجًا عالميًا لهذه الفكرة، فقد عمل أستاذًا للاقتصاد في جامعة شيتاغونغ، لكنه لم يقف عند حدود وظيفته حين رأى الفقر في القرى المحيطة بالجامعة، بدأ بإقراض مبالغ صغيرة من ماله الخاص للفقراء الذين لا تتعامل معهم البنوك، ثم تطورت المبادرة إلى بنك جرامين، الذي جعل التمويل متناهي الصغر أداة لتمكين محدودي الدخل، وخاصة النساء. وفي عام 2006 حصل يونس والبنك معًا على جائزة نوبل للسلام.
تؤكد هذه التجربة أن قيمة الإنسان لا ينبغي أن تنتهي عند حدود وظيفته، فلكل شخص دور مهني يعيش منه، ودور تطوعي وخدمي يترك به أثرًا يتجاوز مصلحته الشخصية.
تاسعاً: وهم الكفاءة
الوصول إلى منصب كبير لا يعني بالضرورة امتلاك كفاءة كبيرة، فالمنصب نفسه قد يمنح صاحبه هالة من القدرة، خاصة حين يقترن بالثقة العالية وبراعة الحديث.
ويشير مقال منشور في مجلة Harvard Business Review عام 2017 إلى أن نحو 80% من الناس يرون أنفسهم قادة أفضل من المتوسط، وهو أمر مستحيل إحصائياً، كما توضح أبحاث علم النفس التنظيمي أن المؤسسات كثيرًا ما تخلط بين الثقة والكفاءة.
وفي النهاية يبقى السؤال: كيف يتعامل الفرد مع سوق العمل الجديد؟
أعتقد أنه لا بد من العمل على مسارات متعددة وموازية لتغير ثقافة الأفراد مع تدشين سياسات استراتيجية مؤسسية
فلا بد من النظر في العالم العربي الي بناء الوظائف على المزايا النسبية المحلية وذلك ضمن استراتيجيات واضحة، هذا بالإضافة إلى وجود أنظمة حماية اجتماعية تدعم التنقل بين الوظائف، وتعويضات بطالة مرتبطة بالتدريب، مع تنسيق فرص العمل في العالم العربي.
على المستوى الفردي لا بد من جمع بين المهارات التقنية والإنسانية، فلا تكفي إحداهما دون الأخرى، ولا بد من تسويق مهاراته لا مسماه الوظيفي، فالمسمى يبقى في الشركة والمهارة تنتقل معك، كما أنه لا بد من التركيز على اقتصاديات العمل الحر والعمل عن بُعد، باعتبارهما متنفسًا أساسيًا للشباب في الدول ذات معدلات البطالة المرتفعة.
ويجب أن يكون التعلم ثقافة دائمة لا مرحلة تنتهي بالحصول على الوظيفة، وأنه لا بد من البحث عن الأثر، عبر مزيج من العمل والتعلم والتطوع.
«في سوق العمل الجديد، لا تبحث فقط عن وظيفة مستقرة، بل ابنِ قيمة مهنية تستطيع الانتقال معك من وظيفة إلى أخرى، ومن قطاع إلى آخر».




