

ويشمل هذا التحول التوسع في الطاقة المتجددة، والاستثمار في الهيدروجين، وبناء بنية تحتية متقدمة للذكاء الاصطناعي، وتعزيز قدرات التصنيع لدعم نمو اقتصادي مستدام طويل الأمد.
ورغم تأثير التوترات الجيوسياسية الأخيرة على الأسواق وسلاسل الإمدادات، فإنها لم تُبطئ هذا الزخم، بل أكدت أن منظومة الطاقة العالمية أصبحت أكثر عرضة للاضطرابات؛ من تشتت سلاسل التوريد وتذبذب إنتاج الطاقة النظيفة، إلى الارتفاع المتسارع في الطلب على الكهرباء.
ولهذا السبب باتت مرونة قطاع الطاقة شرطاً أساسياً لاستمرارية النمو الاقتصادي، فنجاح التحول الاقتصادي في الشرق الأوسط لن يعتمد على التوسع في الطاقة النظيفة وحدها، بل على بناء شبكات طاقة آمنة ومرنة وموثوقة، إذ لا يمكن لأي اقتصاد أن ينمو دون طاقة آمنة.
وعلى الرغم من أن التوسع في الطاقة المتجددة يبدو للوهلة الأولى كالطريق الأسرع لبناء منظومة طاقة مرنة، فإن إنتاج المزيد من الكهرباء النظيفة لا يمثل سوى جزء من المعادلة، فمع ارتفاع القدرة الاستيعابية للطاقة المتجددة مع الوقت، ستزداد الحاجة إلى التوليد الحراري المرن، وتقنيات تخزين الطاقة، وشبكات نقل وتوزيع أكثر قوة وكفاءة، تعمل جميعها ضمن منظومة واحدة متكاملة.
وتبرز الطفرة العالمية في الذكاء الاصطناعي كمثال واضح على حجم هذا التحدي، فوفقاً لوكالة الطاقة الدولية قد يتضاعف استهلاك مراكز البيانات للكهرباء عالمياً من نحو 415 تيراوَاط/ساعة في 2024 إلى ما يقارب 945 تيراوَاط/ساعة بحلول 2030.
وفي هذا السياق يظل التوليد القائم على الغاز عنصراً محورياً في دعم النمو الاقتصادي وتحول الطاقة في المنطقة، فهو يُسهم في توليد نحو 70% من كهرباء دول مجلس التعاون الخليجي، ويمنح المرونة التشغيلية اللازمة لدمج نسب أكبر من الطاقة المتجددة.
وتُعد تقنيات التوربينات الغازية المتقدمة من «ميتسوبيشي باور» مثالاً رائداً على ذلك، إذ تحقق كفاءة تتجاوز 64%، وتتميز بقدرتها على التشغيل السريع وتغيير الأحمال، فضلاً عن جاهزيتها للعمل بتقنيات الحرق المشترك للهيدروجين، ما يتيح مساراً عملياً نحو خفض الانبعاثات على المدى الطويل.
وتأتي دولة الإمارات في طليعة مسيرة تحول الطاقة في المنطقة، مدفوعة بمبادرتها الاستراتيجية لتحقيق الحياد المناخي بحلول عام 2050، ويتواكب هذا التوسع الكبير في مشاريع الطاقة المتجددة مع استثمارات مستمرة ومتواصلة في قطاع التوليد المرن والموثوق، وذلك بهدف دعم قطاعات التصنيع المتقدمة، والبنية التحتية الرقمية، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
كما تضيف توسعة محطة اللية 1.026 جيجاواط، لتلبي نحو 20% من الطلب في إمارة الشارقة، وتُظهر هذه المشاريع كيف يمكن للتوليد الحراري عالي الكفاءة أن يعزز مرونة الشبكة ويكمل دور الطاقة المتجددة.
وفي السعودية، تسير مشاريع الطاقة وفق رؤية 2030 بالتركيز ذاته على الموثوقية وحجم الإنتاج، فمحطتا رماح 1 والنعيرية 1 ستضيفان 3.6 جيجاواط من القدرة الموثوقة، أي ما يعادل نحو 2.5% من قدرة الشبكة الوطنية، دعماً لهدف وزارة الطاقة بتحقيق مزيج طاقة من 50% غاز طبيعي و50% طاقة متجددة بحلول 2030.
وتوضح هذه المشاريع أن الموثوقية وأمن الطاقة وخفض الانبعاثات يمكن أن تتقدم معاً ضمن منظومة واحدة متوافقة.
وفي المحصلة، يمتلك الشرق الأوسط فرصة فريدة لإثبات أن أمن الطاقة والنمو الاقتصادي وخفض الانبعاثات ليست أهدافاً متعارضة، بل يمكن أن تعزز بعضها بعضاً عندما تُبنى أنظمة طاقة متكاملة تجمع بين الطاقة المتجددة، والتوليد الحراري المرن، وتخزين الطاقة، والبنية التحتية المتقدمة للشبكات، والوقود منخفض الكربون.
وختاماً، إن توفير طاقة موثوقة هو الأساس الذي لا يمكن التنازل عنه لصياغة مستقبل الطاقة في الشرق الأوسط، وفي منطقة تشهد نمواً اقتصادياً سريعاً وارتفاعاً في الطلب على الكهرباء وتغيرات جيوسياسية مستمرة، ستكون الدول التي تبادر اليوم إلى بناء أنظمة طاقة مرنة ومستقبلية الأكثر قدرة على قيادة الفصل القادم من مسيرة النمو في المنطقة.
تم إعداد هذه المقالة لصالح CNN الاقتصادية، بقلم: خافيير كافادا، المدير والرئيس التنفيذي لشركة «ميتسوبيشي باور» في أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا، والآراء الواردة فيها تمثّل آراء الكاتب فقط ولا تعكس أو تمثّل بأي شكل من الأشكال آراء أو وجهات نظر أو مواقف شبكة CNN الاقتصادية.




