شؤون عربية ودولية

كيف تبني لشركتك الناشئة حصانة تنافسية في عصر الذكاء الاصطناعي؟ : CNN الاقتصادية



قبل سنوات، كان بإمكان رائد الأعمال أن يشعر بشيء من الاطمئنان عندما يمتلك فكرة جيدة، وفريقاً تقنياً قوياً، ومنتجاً يحتاج بناؤه إلى أشهر طويلة وربما سنوات، فحتى لو اكتشف المنافسون الفكرة، كانت هناك تكلفة حقيقية للحاق بها: توظيف المبرمجين، وبناء المنتج، واختباره، وتطوير البنية التقنية، ثم الوصول إلى العملاء، لكن اليوم بدأ الذكاء الاصطناعي في تغيير هذه المعادلة بشكل جذري.

ما كان يحتاج إلى فريق من المطورين والمصممين وأشهر من العمل، يمكن في بعض الحالات بناء نسخته الأولية خلال أيام أو أسابيع، يستطيع اليوم رائد الأعمال استخدام الذكاء الاصطناعي لكتابة الكود، وتصميم الواجهات، وتحليل السوق، وإعداد المحتوى، واختبار الأفكار، والمساعدة في التسويق وخدمة العملاء.

هذه أخبار رائعة لأي شخص يفكر في تأسيس شركة ناشئة، لكنها تحمل في داخلها خبراً أقل راحة، فالأدوات نفسها التي تجعل بناء فكرتك أسهل، تجعل بناء فكرة مشابهة لها أسهل أيضاً.

لطالما كان السؤال التقليدي في عالم ريادة الأعمال: «ما فكرة الشركة الناشئة القادمة؟»

لكن مع القدرات الجديدة التي أتاحها الذكاء الاصطناعي في مجالات واسعة، السؤال الأهم في عالم ريادة الأعمال قد يصبح: «إذا نجحت فكرتي، فما الذي سيمنع الآخرين من نسخها؟».

ما الحصانة التنافسية؟

في عالم الاستثمار والاستراتيجية، هناك مفهوم مهم يُعرف باسم «Moat» وأقرب تعبير عربي لوصف هذا المفهوم قد يكون «الحصانة التنافسية».

والمقصود بـ«الحصانة التنافسية» ببساطة: ما الذي تمتلكه شركتك ويجعل منافستها أو تقليد نجاحها أكثر صعوبة؟

قد تكون هذه الحصانة علامة تجارية يثق بها ملايين الأشخاص، وقد تكون شبكة من المستخدمين تصبح أكثر قيمة كلما انضم إليها مستخدم جديد، وقد تكون بيانات يصعب على المنافس الحصول عليها، أو معرفة متخصصة تراكمت على مدى سنوات، أو شبكة توزيع يصعب تكرارها، أو تكلفة مرتفعة تجعل انتقال العميل إلى المنافس أمراً مزعجاً، أو ثقة اكتسبتها الشركة في قطاع حساس، أو حقوق ملكية وبراءات اختراع حصرية…

الفكرة الأساسية بسيطة «المنتج الجيد يساعدك على دخول السوق، لكن الحصانة التنافسية تساعدك على البقاء فيه». وهذا التمييز، في رأيي، أصبح أكثر أهمية في عصر الذكاء الاصطناعي.

لا تسأل فقط «هل أستطيع بناءها؟»

هناك لحظة يعرفها رواد الأعمال جيداً: تكتشف مشكلة، تبحث عن الحلول الموجودة، تجد أنها ضعيفة أو معقدة أو مكلفة، ثم يبدأ الحماس عند اكتشافك انه يمكن بناء شيء أفضل؛ وهنا تبدأ دراسة السوق، وحجم الفرصة، ونموذج الإيرادات، والمنتج الأولي… وغيرها من الخطوات اللازمة لتحويل الفكرة إلى مشروع ناجح.

لكن في رأيي، رائد الأعمال اليوم يحتاج إلى إضافة سؤال مبكر جداً إلى هذه العملية «ماذا سيحدث إذا نجحت؟».

تخيل أنك وجدت فكرة ممتازة؛ أطلقت منتجك، بدأ العملاء باستخدامه، ارتفعت الإيرادات، ثم لاحظ منافس نجاحك، كم يحتاج من الوقت لبناء شيء مشابه؟

إذا كانت الإجابة ستة أشهر، فهل لديك خلال هذه الأشهر شيء يتراكم ويصعب عليه الحصول عليه؟

وماذا لو أصبحت الإجابة، بفضل الذكاء الاصطناعي، ستة أسابيع؟

وماذا لو أصبحت قريباً ستة أيام؟

هنا تظهر إحدى المفارقات الجديدة تماماً والمثيرة في عالم الأعمال في عصر الذكاء الاصطناعي، نحن نحتفل بانخفاض تكلفة بناء وإطلاق المنتجات باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، لكن انخفاض تكلفة بناء منتجك وشركتك يعني في كثير من الأحيان انخفاض تكلفة بناء منافس لها أيضاً.

لذلك قد تصبح سهولة بناء المنتج سلاحاً ذا حدين، فكلما انخفض حاجز الدخول أمامك، انخفض في كثير من الأحيان أمام الآخرين أيضاً.

فكرتك ليست حصانتك

هذه نقطة أعتقد أن على كل رائد أعمال أن يتذكرها «الفكرة نفسها نادراً ما تمنحك حصانة تنافسية»، قد تكون الفكرة ذكية، بل عبقرية، لكن بمجرد أن تثبت نجاحها في السوق، تكون قد قدمت للمنافسين خدمة مجانية: أثبتَّ لهم أن المشكلة موجودة، وأن هناك حلاً ممكناً، وأن العملاء مستعدون للدفع مقابله.

هنا نكتشف الفرق بين امتلاك منتج جيد وامتلاك شركة يصعب منافستها، وهنا أيضاً يصبح السؤال عن الحصانة التنافسية مهماً منذ اليوم الأول، لا بعد أن تنجح الشركة.

الذكاء الاصطناعي يغيّر مكان وجود القيمة

نعيش واحدة من أكبر موجات التحول التكنولوجي منذ عقود، وتُغيّر هذه الموجة القواعد التقليدية لتوفير الحصانة التنافسية الدائمة، لذلك أعتقد أن على رائد الاعمال اليوم أن يسأل سؤالاً مختلفاً: «ماذا أمتلك ولا يحصل عليه منافسي بمجرد استخدام الأدوات نفسها التي أستخدمها؟».

قد تكون الإجابة البيانات، لكن ليس أي بيانات، فالبيانات العامة يستطيع المنافس الحصول عليها أيضاً، الأكثر قيمة هي البيانات الفريدة التي تتولد من استخدام العملاء لمنتجك، وتجعل الخدمة أفضل كلما نما عدد مستخدميها.

وقد تكون الإجابة في قنوات التوزيع، إذا كنت تمتلك وسيلة للوصول إلى العملاء لا يمتلكها المنافسون.

وقد تكون الحصانة في التكامل العميق مع عمل العميل، فكلما أصبح منتجك جزءاً من العديد من العمليات والأنظمة لدى العميل، أصبحت إزالته أصعب من مجرد إلغاء اشتراك.

وقد تكون التنظيم والامتثال؛ ففي قطاعات مثل الصحة والمال والقانون، قد يستغرق بناء الثقة والمعرفة التنظيمية سنوات لا يستطيع منافس اختصارها بمجرد امتلاك منتج أفضل.

وقد تكون شبكة المستخدمين، أو المجتمع، أو العلامة التجارية، أو ببساطة الثقة.

والمهم أن كثيراً من هذه الأشياء تشترك في خاصية واحدة: «يمكن للذكاء الاصطناعي مساعدة منافسك على تقليد منتجك، لكنه لا يستطيع بالسهولة نفسها أن يمنحه ما أمضيت سنوات في بنائه وتطويره».

ابحث عما يتراكم

وهنا، في رأيي، توجد الفكرة الأهم لرائد الأعمال الذي يبحث اليوم عن مشروعه القادم، لا تنظر فقط إلى ما يستطيع منتجك فعله في يوم إطلاقه، اسأل «ماذا ستمتلك شركتي بعد ثلاث سنوات من استخدام العملاء لهذا المنتج؟».

هل سيولد الاستخدام بيانات فريدة؟

هل سيتعلم النظام من آلاف الحالات التي لن يمتلكها منافس يبدأ غداً؟

هل سيصبح المنتج جزءاً عميقاً من طريقة عمل العميل؟

هل ستنشأ حوله شبكة من المستخدمين أو الموردين أو المطورين؟

هل ستتراكم لدى الشركة معرفة متخصصة يصعب شراؤها؟

هل ستبني علامتك ثقة يصعب منحها لشركة ظهرت الأسبوع الماضي؟

إذا كانت الإجابة نعم، فأنت لا تبني منتجاً فقط، أنت تبني حصانتك التنافسية أثناء نموك.

وهذه نقطة جوهرية، لأن من أقوى أنواع الحصانة التنافسية تلك التي تزداد قوة مع مرور الوقت، فكل عميل جديد قد يولّد بيانات أكثر قيمة تساعد على تحسين المنتج وجذب المزيد من العملاء، وكل مستخدم جديد قد يجعل المنصة أكثر فائدة، فيجذب مستخدمين آخرين، وكل سنة تعمل فيها داخل قطاع معين تعمّق معرفتك به وعلاقاتك داخله وثقة السوق بك، ما يجعل دخول منافس جديد أكثر صعوبة.

بمعنى آخر، لا تبحث فقط عن حاجز يحمي شركتك اليوم، بل عن حصانة تزداد قوة كلما نجحت الشركة.

اختبار الحصانة التنافسية

لذلك أقترح على أي رائد أعمال يبحث عن فكرته القادمة أن يضيف اختباراً بسيطاً إلى عملية تقييم الأفكار، افترض أن فكرتك نجحت نجاحاً هائلاً، ثم افترض أن منافساً شاهد كل ما فعلته، لديه المال، ولديه مطورون ممتازون، ويستطيع استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي نفسها التي تستخدمها أنت، ما الذي لا يستطيع نسخه بسهولة؟

إذا لم تجد إجابة جيدة، فهذا لا يعني بالضرورة أن الفكرة سيئة، فقد يكون لديك مشروع مربح جداً، لكنك على الأقل ستعرف طبيعة اللعبة التي تدخلها.

ثم اسأل سؤالاً أصعب: «هل تصبح هذه الحصانة أقوى أم أضعف كلما مر الوقت؟». وهذا السؤال الثاني مهم بقدر الأول.

فرصة خاصة لريادة الأعمال في المنطقة العربية

مع انتشار أدوات العمل المدعومة بالذكاء الاصطناعي، قد لا تكون أفضل استراتيجية لرواد الأعمال محاولة بناء «نسخة عربية» من كل تطبيق ذكاء اصطناعي ينجح في وادي السيليكون، قد تكون الاستراتيجية الأهم اليوم هي طرح سؤال مختلف: «ما الحصانة التنافسية التي يستطيع رائد الأعمال بناءها ولا تستطيع شركة عالمية الحصول عليها بسهولة؟».

قد تكون اللغة جزءاً من الإجابة، لكنها بالتأكيد ليست الإجابة كلها.

قد تكون بيانات محلية لا توجد في مجموعات البيانات العالمية.

أو معرفة عميقة بطريقة عمل قطاع معين في المنطقة.

أو فهم البيئة التنظيمية، أو العلاقات مع المؤسسات، أو قنوات التوزيع. أو الثقة.

أو القدرة على فهم تفاصيل ثقافية وسلوكية لا تظهر في البيانات العامة.

أو الوصول إلى مشكلة محلية لم تجد بعد من يحلها بصورة جيدة.

وهنا يكون لرواد الاعمال في المنطقة فرصة كبيرة، ليس لأن الذكاء الاصطناعي يمنحهم التكنولوجيا فقط، بل لأنه يسمح لمشاريعهم بأن تنافس في المكان الذي تمتلك فيه أفضلية حقيقية: المعرفة المحلية، والسياق، والعلاقات، والبيانات، والوصول إلى السوق.

غيّر طريقة بحثك عن الفكرة

لهذا أعتقد أن الذكاء الاصطناعي يجب ألا يغير فقط طريقة بناء المنتجات الرقمية وتشغيل الشركات الناشئة، بل الطريقة التي يبحث بها رواد الأعمال عن أفكار الشركات الناشئة.

حتى فترة قريبة، كان السؤال التقليدي: «ما المشكلة التي أستطيع حلها؟».

ثم أصبح السؤال مع موجة الذكاء الاصطناعي: «ما المشكلة التي أستطيع استخدام الذكاء الاصطناعي لحلها؟».

لكن ربما نحتاج الآن إلى سؤال ثالث: «إذا نجحت شركتي في حل مشكلة لدى العميل، ما الذي سيتراكم داخل شركتي ويجعل منافستي أصعب مع مرور الوقت ومحصنة من التقليد؟».

وهذا يقود إلى طريقة مختلفة في البحث عن الفرص، بدلاً من البحث فقط عن: «مشكلة كبيرة + حل جيد».

ابحث عن: «مشكلة كبيرة + حل جيد + حصانة تنافسية قابلة للتراكم»، فهذه المعادلة قد تقود إلى أفكار تستحق أن نبني حولها شركات قادرة على الصمود والنمو والنجاح لفترات طويلة.

لذلك، عندما تعثر على فكرة مشروعك القادمة، لا تسأل فقط: «هل أستطيع بناء هذا؟»، ولا حتى: «هل سيدفع العميل مقابله؟»، أضف سؤالاً ثالثاً: «إذا نجحت وأراد الجميع تقليد فكرتي، فما الذي سأكون قد بنيته بحلول ذلك الوقت ولا يستطيعون نسخه؟»، الإجابة عن هذا السؤال هي حصانتك التنافسية.

وفي عصر يستطيع فيه الذكاء الاصطناعي أن يجعل تقليد الأفكار أسرع من أي وقت مضى، قد تكون هذه الحصانة هي الفارق بين بناء منتج ناجح اليوم، وبناء شركة قادرة على النجاح لسنوات طويلة.

تم إعداد هذه المقالة لصالح CNN الاقتصادية، والآراء الواردة فيها تمثّل آراء الكاتب فقط ولا تعكس أو تمثّل بأي شكل من الأشكال آراء أو وجهات نظر أو مواقف شبكة CNN الاقتصادية.



Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى