

هل يمكن أن يكون هذا هو الحل الذي تبحث عنه مصر للخروج من معادلة الدعم المكلفة، أم أن تطبيقه قد يفتح باباً جديداً للضغوط المعيشية والتضخم؟
الفكرة تستحق النقاش، خصوصاً أن مصر قطعت شوطاً كبيراً في برنامج إصلاح دعم الطاقة، لكنها لا تزال تواجه تحدياً مزدوجاً يتمثل في ارتفاع الطلب المحلي على المنتجات البترولية، والاحتياج إلى استيراد كميات كبيرة منها لتغطية الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك.
حصة مدعمة.. وما بعدها بالسعر العالمي
في ظني يعتمد هذا التصور على إعادة تعريف الدعم، بحيث لا تحصل السيارة على وقود مدعم بلا حدود، وإنما تخصص لها حصة شهرية تتناسب مع نوعها واستخدامها، على أن يحصل المواطن على هذه الكمية بالسعر الذي تحدده الدولة، وعند استنفادها يصبح من حقه شراء أي كمية إضافية، ولكن وفق سعر التكلفة أو السعر المرتبط بالأسواق العالمية.
على سبيل المثال، يمكن تخصيص 100 لتر شهرياً للسيارة الخاصة، مع وضع حصص مختلفة لسيارات الأجرة والنقل العام والمركبات التجارية، وفق طبيعة نشاطها ومعدلات تشغيلها، وهذه الأرقام افتراضية لتوضيح الفكرة وليست مقترحاً نهائياً للحصص.
بهذه الطريقة، لن يُحرم المواطن من الدعم، لكن الدولة لن تتحمل دعم الاستهلاك المفتوح، ولن يستفيد مالك السيارات المتعددة أو صاحب الاستهلاك المرتفع من الدعم بالمقدار نفسه الذي يستفيد به محدود الدخل.
ماذا تقول أرقام الوقود في مصر؟
وفي يونيو 2026، بلغ إنتاج مصر من السولار نحو 793 ألف طن، مقابل استهلاك 1.176 مليون طن، ما يعني فجوة شهرية تقترب من 383 ألف طن، أو نحو ثلث الاستهلاك، وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.
أما البنزين، فقد أشارت بيانات واردات يونيو ويوليو 2026 إلى اعتزام مصر استيراد نحو 400 ألف طن من البنزين خلال الشهرين، لتغطية نحو 26% من فجوة الاستهلاك، وتضمنت خطة الاستيراد للفترة نفسها 1.25 مليون طن من السولار، إلى جانب 450 ألف طن من البوتاجاز.
وتقدر فاتورة استيراد المنتجات البترولية خلال يونيو ويوليو بنحو 2 إلى 2.2 مليار دولار، أي متوسط يتراوح بين مليار و1.1 مليار دولار شهرياً، مع ملاحظة أن الرقم يشمل البنزين والسولار والبوتاجاز وليس الوقود المستخدم في السيارات وحده.
وفي يوليو 2026، وصلت فاتورة واردات الطاقة المصرية إلى نحو 3 مليارات دولار، منها 546 مليون دولار للسولار و221 مليون دولار للبنزين، بينما استحوذ الغاز الطبيعي المسال على 1.45 مليار دولار.
هذه الأرقام تعني أن المشكلة ليست في سعر اللتر وحده، بل في تكلفة تأمين احتياجات الاقتصاد من الطاقة، والضغط المستمر على العملة الأجنبية.
إيران وفنزويلا.. تجارب تستحق الدراسة
النموذج ليس جديداً على العالم، ففي إيران تطبق الحكومة نظام بطاقات الوقود الذكية، مع تقسيم استهلاك البنزين إلى شرائح سعرية، ووفق النظام الذي بدأ تطبيقه في ديسمبر 2025، يحصل السائق على 60 لتراً شهرياً بسعر مدعم، و100 لتر إضافية بسعر أعلى، ثم يرتفع السعر إلى الشريحة الثالثة بعد تجاوز الحصتين.
أما فنزويلا، فتطبق نظاماً يتيح للمواطنين المسجلين عبر منصة «باتريا» شراء 120 لتراً شهرياً للسيارات الخاصة بالسعر المدعم، و60 لتراً للدراجات النارية، مع دعم كامل للنقل العام.
وفي إندونيسيا وماليزيا، توجد آليات رقمية لتقييد شراء الوقود المدعوم وتحديد المستفيدين، إلى جانب وضع حدود للكميات المسموح بشرائها، لكنها ليست مطابقة تماماً لفكرة الحصة الشهرية المصرية المقترحة، إذ تختلف القواعد والمنتجات والفئات المستحقة من دولة إلى أخرى.
وتكشف هذه التجارب أن التكنولوجيا يمكن أن تساعد في ضبط توزيع الدعم، لكنها لا تضمن وحدها نجاح الإصلاح، ما لم تقترن برقابة فعالة وقواعد عادلة.
هل يدخل السيسي التاريخ بهذا القرار؟
الرئيس عبد الفتاح السيسي أمام سؤال اقتصادي وسياسي بالغ الأهمية: هل يمكن الانتقال من دعم السلعة إلى دعم المستهلك، دون أن يتحول الإصلاح إلى عبء إضافي على المواطنين؟
إذا تبنت الدولة هذا النموذج، فإن نجاحه يتطلب قاعدة بيانات دقيقة تربط الرقم القومي برخصة السيارة، وتراعي عدد أفراد الأسرة، وطبيعة النشاط، والمسافات التي تقطعها المركبات، مع استثناءات واضحة لسيارات الإسعاف والنقل العام والقطاعات الحيوية.
كما يجب أن يسبق التطبيق إعلان واضح عن قيمة الحصص وأسعارها، وتوفير آلية للتظلم، ومراجعة دورية للكميات، وضمان عدم تسرب الوقود المدعم إلى السوق السوداء، والأهم ألا يتحول السعر العالمي إلى أداة لرفع تكلفة النقل والشحن والإنتاج على نحو ينعكس على أسعار الغذاء والسلع الأساسية.
وهناك نقطة لا يجوز تجاهلها: السولار ليس وقود السيارات الخاصة فقط، بل يدخل في تشغيل الشاحنات والجرارات الزراعية ومعدات المصانع، ولذلك فإن تطبيق نظام موحد عليه قد يرفع تكلفة الإنتاج والنقل، ما يستدعي تصميم حصص قطاعية منفصلة.
الإجابة ليست في تحرير الأسعار وحده
هل يدخل السيسي التاريخ إذا فعلها؟ التاريخ لا يكتب بمجرد اتخاذ قرار اقتصادي جريء، وإنما بنتائجه وقدرته على تحقيق التوازن بين الاستدامة المالية والعدالة الاجتماعية.
قد يمثل نظام الحصص المدعمة نقطة تحول في إدارة دعم الوقود بمصر، إذا وفر حماية حقيقية للاستهلاك الأساسي، وقلص الهدر والاستيراد، ووجه الوفر المالي إلى الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية.
لكن السؤال الذي ينبغي أن تجيب عنه الحكومة قبل اتخاذ القرار أو التفكير فيه هو: كم ستوفر الدولة فعليا من الدولارات؟ وكم سيتحمل المواطن من تكلفة إضافية؟ ومن سيحمي محدودي الدخل وأصحاب المهن التي تعتمد على السولار؟
فالإصلاح الحقيقي بأي دولة ليس أن نصل بالأسعار للعالمية، بل أن نضمن ألا يدفع المواطن في بلده ثمن اختلالات لا يملك السيطرة عليها.




