شؤون عربية ودولية

من الكلام إلى الأفعال.. حين يمتلك الذكاء الاصطناعي جسداً : CNN الاقتصادية



تخيّل أنك في مهمة عمل في روما، وتقرر الاحتفال بعيد ميلادك بعشاء لا يُنسى في مدينة تزورها أول مرة، لا تعرفها ولا تتحدث لغتها. تقول لمساعدك الرقمي ما تريد باختصار: مطعم إيطالي أصيل، وموسيقى هادئة السابعة مساءً، في قلب المدينة، يمكن الوصول إليه بسهولة، أجواء عائلية دافئة، وإن أمكن لأفضّل أن أحصل على خصم خاص بهذه المناسبة.

لن تبحث لن تقرأ المراجعات والتعليقات أو تشاهد مقاطع الزوار على منصات التواصل الاجتماعي.. لن تضطر للاتصال بالمطعم للاستفسار عن التفاصيل أو تأكيد المعلومات، ولن تفكر في أفضل طريقة للوصول.. ستخبر مساعدك الرقمي ما تريد فحسب، ويتولى الذكاء الاصطناعي الباقي: يفهم نيتك، ويبحث وفق تفضيلاتك، ويتحقق من الخصومات المتاحة عبر مناسبة عيد ميلادك أو برامج الولاء أو تسهيلات بطاقتك البنكية، ويرتّب الخيارات، ويعرضها عليك. ثم يتواصل مع المطعم، ويتحدث معهم بإيطالية مثالية ويتأكد من التفاصيل، ويخبرهم عن عيد ميلادك وتفضيلاتك وعن حميتك قليلة الدهون التي تتبعها وفق توصية طبيبك، ثم يحجز الطاولة وبعدها يشغل تطبيق سيارات الأجرة ليرتب طلب السيارة مع احتساب ازدحام وسط روما في مساء الخميس.. كل ذلك دون أن تلمس هاتفك.

هذا ليس خيالاً علمياً بعيداً، إنه ما تتسابق إليه كبرى شركات التقنية اليوم، غير أن هذا المشهد ليس نهاية القصة بل مجرد بدايتها.

3 تحولات سحرية

لفهم ما يجري، لنقرأ المسار كاملاً. ففي فترة قياسية، شهد عالم الذكاء الاصطناعي 3 تحولات متسارعة، كلٌّ منها أعمق من سابقه وأبعد أثراً.

التحول الأول.. الذكاء الذي يتكلم: نماذج اللغة الكبيرة فتحت باباً جديداً في تفاعلنا مع الآلة، تسألها فتُجيب، تطلب منها فتكتب، تطرح عليها مشكلة فتُحللها مستخدمة أدوات رقمية متعددة، وكل ذلك في محادثة طبيعية بلغة بشرية. ثم توسّعت قدراتها لتشمل الصور والصوت والفيديو. لكن رغم كل ذلك، ظل الذكاء الاصطناعي أسير الشاشة: يقترح ولا يُنفّذ، ويُشير ولا يتحرك، ويعرف الطريق لكنه لا يمشي فيه.

التحول الثاني.. الذكاء الذي يتصرف: والذي يمثل تحولاً أعمق في طبيعة وحدود العلاقة بين الإنسان والآلة. الفرق في مثال بسيط: حين تطلب من نموذج لغوي تقليدي «أحتاج إلى تقرير مبيعات الربع الثالث»، سيُعدّ التقرير بناءً على ما يملكه من معلومات، وإن احتاج إلى بيانات إضافية سيتوقف ويطلب مساعدتك. أما حين تطلب الجملة ذاتها من ذكاء اصطناعي قادر على التصرف، فسيتواصل بنفسه مع المصادر اللازمة: يبحث في قواعد بيانات الشركة، ويستخدم برامج المحاسبة، ويُرسل رسائل لأصحاب الشأن وينتظر ردودهم، وربما يتعاون مع وكلاء ذكاء اصطناعي آخرين، وبعد انتهائه من كل ما يلزم، واستلامه للمعلومات التي يحتاج إليها، سوف يعمل على التقرير ويُسلّمك إياه مكتملاً.

إذا كان نموذج اللغة يشبه المستشار الخبير الذي يمنحك الاجابة وفق التفاصيل التي تقدمها له وحدود معرفته، فإن «الذكاء الاصطناعي الذي يتصرف» هو الزميل الرقمي الذي يُنجز العمل، ويُحلّل المطلوب، ويضع المهام اللازمة للوصول الى النتيجة، وينفّذها بالترتيب الصحيح.

التحول الثالث.. الذكاء الاصطناعي الذي يسكن عالمنا: وهنا نصل إلى المرحلة الأعمق. حين تمتلك الآلة الذكية جسداً حقيقياً تتفاعل به مع العالم المادي لا من خلال شاشة، بل عبر محركات وأذرع وعجلات وأجهزة استشعار، ليكون ذكاءً قادراً على تحريك الأشياء، لا الكلمات.

ليس وجهاً وذراعين فقط

حين نتحدث عن ذكاء اصطناعي يسكن عالمنا الفيزيائي، يتجه الخيال فوراً نحو روبوت بملامح إنسانية يمشي في ممرات المكاتب أو يعمل على خطوط الإنتاج، لكن هذا التصور يُضيّق صورة أوسع بكثير؛ فـ«الجسد» في هذا السياق يعني كل نظام مادي يتصل به الذكاء الاصطناعي ليتفاعل مع العالم الحقيقي: نتحدث هنا عن آلات مرنة في خطوط التصنيع، ومركبات ذاتية القيادة تختار مساراتها لحظة بلحظة وتعدّل خياراتها وفق ما ترصده حساساتها المتعددة، وأذرع جراحية دقيقة في غرف العمليات، وأجهزة ذكية في أقسام الطوارئ، وآلات ذكية كفاية لتستطيع التصرف لوحدها في أماكن أو ربما كواكب ظروفها لا تسمح لنا الوجود بها.

الروبوتات الصناعية تعمل منذ عقود، لكن المشكلة كانت دائماً في العقل الذي يشغلها، فالروبوت التقليدي مُبرمج لمهمة واحدة في بيئة محكومة بدقة، غيّر البيئة قليلاً وسينهار أداؤه. ما تغيّر اليوم هو أن نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة معززة بقدرات الرؤية والإدراك المتعدد باتت قادرة على أن تكون ذلك العقل الذي يفتقده الجسد الآلي والإلكترونيات الداعمة له.

الروبوتات التي تشبه البشر ليست خيالاً بعد الآن

مما يستحق الوقوف عنده هنا أيضاً أن الروبوتات الإنسانية الشكل التي كانت حتى وقت قريب مجرد عروض مختبرية باهرة بعيدة عن التطبيق الفعلي باتت تُظهر تحولاً نوعياً حقيقياً في كفاءاتها. فهي اليوم أكثر رشاقة، وقادرة على فهم عالمها، وتعلّم مهام معقدة بالمراقبة والمحاكاة، لا بالبرمجة المسبقة الجامدة؛ فروبوتات اليوم بات أكثر وأكثر تتعلم كما يتعلم الإنسان: تُراقب، وتُقلّد، وتُجرّب، ثم تُتقن.

عالم يتحرك

حتى وقتٍ قريب جداً، الذكاء الاصطناعي لم يكن له وجود مادي، كان دائماً فكرة، ونصاً، وخطة، وصورة، وصوت. أما الآن، فإنه يأخذ شكلاً وجودياًِ متعدد الابعاد في عالمنا.

امتلاك الآلة جسداً لا يعني ذلك نهاية الوظائف، بل تحوّلها؛ وحين تتولى الآلة الذكية الأعمال الروتينية، الرقمية منها والمادية، يتحرر الإنسان للقيام بما لا تُتقنه الآلة: الابتكار والإبداع في مواجهة المجهول، والحكم في المواقف الملتبسة، والتفكير الأخلاقي في لحظات الأزمة، وبناء العلاقات، والارتقاء بالإنسانية.

في المستقبل القريب، المنظمات التي ستزدهر ليست تلك التي تمتلك أكبر أسطول من الروبوتات، بل تلك التي تفهم بعمق ما يجب أن يظل بيد الإنسان، وما يمكن للآلة أن تُنجزه بشكل أفضل وأسرع.. الميزة التنافسية الحقيقية ستكون في جودة هذا التوزيع، لا في حجم نقل الأعمال إلى الروبوتات.

أما موظفو الغد القريب، فأمامهم تحدٍّ مختلف: ليس الدفاع عن وظائف ستتغير حتماً، بل اكتساب القدرة على العمل جنباً إلى جنب مع هذه الأنظمة وتوجيهها، وفهم حدودها قبل إمكاناتها.

الذكاء الذي يسكن عالمنا

يبدو المسار واضحاً في منطقه وإن كان مدهشاً في سرعته، نحن ننتقل من ذكاء يتحدث ويقترح، إلى ذكاء يتصرف وينجز رقمياً، إلى ذكاء يتفاعل مع عالمنا المادي مباشرة.. كل مرحلة أزاحت قيداً واحداً: الأولى جعلته يتحدث بلغتنا، والثانية أخرجته من قيد الشاشة، والثالثة تُخرجه من قيد اللاماديّة.

لسنا أمام روبوت يُشبهنا، نحن أمام ذكاء يسكن عالمنا، في مصانعنا ومكاتبنا ومستشفياتنا وطرقنا وبيوتنا.. ذكاء يتعلم من الواقع ويؤثّر فيه مباشرة.

السؤال لم يعد «هل هذا الذكاء قادراً؟»، فهذا السؤال حُسم إلى حد بعيد، السؤال الآن مزدوج ومُلحّ: كيف نوظّف هذه القدرة لخدمة الإنسان؟ وكيف نبني حوكمة حقيقية قبل أن تجعل سرعة التطور هذا السؤال بلا إجابة؟ هذا هو السباق الحقيقي اليوم، لكنه ليس مع الآلة، بل معنا نحن.

تم إعداد هذه المقالة لصالح CNN الاقتصادية، والآراء الواردة فيها تمثّل آراء الكاتب فقط ولا تعكس أو تمثّل بأي شكل من الأشكال آراء أو وجهات نظر أو مواقف شبكة CNN الاقتصادية.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى