شؤون عربية ودولية

الحرب.. عاصفة عاتية تلوح في الأفق : CNN الاقتصادية



تتسم الحرب الدائرة في المنطقة بتعدد جوانبها، إذ تترتب عليها تداعيات اقتصادية وأمنية ومالية ونقدية وبيئية واجتماعية واقتصادية.

وستترتب هذه التداعيات على مدة الصدمة (أسابيع، أو أشهر، أو سنوات)، ونطاقها (الأنشطة، أو الدول، أو الإقليم، أو العالم)، وشدتها، وعمقها، ومدى تأثر البنية التحتية الأساسية.

ولا تزال الصدمات غير المسبوقة وتداعياتها تتكشف، مع تزايد حالة عدم اليقين بشأن النتائج.

تفاقم الشكوك

شهد العام الماضي، منذ اندلاع الحروب التجارية العالمية في أبريل نيسان 2025، ارتفاعاً حاداً ومستويات غير مسبوقة من عدم اليقين في السياسات الاقتصادية والتجارية، التي تتفاقم الآن بفعل تصاعد المواجهات الجيوسياسية وحالة عدم اليقين.

وقد زاد عام 2026 من الضغط على أمن الطاقة العالمي نظراً لتعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز، إذ تمثل التدفقات التجارية عبر هرمز نحو 40% من صادرات النفط الخام العالمية، و30% من صادرات غاز البترول المسال، و20% من صادرات الغاز الطبيعي المسال.

تصف وكالة الطاقة الدولية هذا الوضع بأنه «أكبر اضطراب في الإمدادات في تاريخ سوق النفط العالمي»، وبالإضافة إلى النفط تتأثر إمدادات المدخلات الحيوية، من الألومنيوم إلى الهيليوم والكبريت والأسمدة (اليوريا والأمونيا والفوسفات)، ما يؤدي إلى مزيد من ارتفاع الأسعار، وتداعيات ضخمة على أسواق الزراعة والغذاء، وقطاعات السيارات وأشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي.

تحديات وحلول

يؤثر الدمار والاضطرابات وحالة عدم اليقين على القطاعين العام والخاص، فبالنسبة للقطاع الخاص يتمثل التحدي الحالي في الأجل القصير في التكيف مع الاضطرابات (بما في ذلك العمل من المنزل) وتدمير البنية التحتية الأساسية (النقل والطاقة والمياه)، أما التحدى التالي فيتمثل في مراجعة مواقع الإنتاج ومرافقه وسلاسل التوريد لتقليل المخاطر.

وتتخذ الحكومات إجراءات استباقية لمواجهة آثار الحرب من خلال سياسات الاقتصاد الكلي وغيرها من السياسات المتعلقة بالأمن والاستقرار المالي والاجتماعي والاقتصادي، وتقوم وزارات المالية والبنوك المركزية بتطبيق إجراءات وسياسات للحفاظ على استقرار الأسواق الاقتصادية والمصرفية والمالية ودعمها، بينما تتبنى الشركات المملوكة للدولة والشركات الحكومية سياسات صناعية جديدة وتطورها.

ويتم حالياً تسهيل النقل والخدمات اللوجستية عبر طرق بديلة نظراً للإغلاق شبه التام لمضيق هرمز، ومن أهم هذه الطرق ميناء ينبع السعودي، وممر الشحن بالسكك الحديدية السعودي الأردني، وخطوط الشحن الجديدة، وتوسيع شبكة النقل البري، إلى آخر هذه البدائل.

وقد وضع مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي إطاراً من خمسة محاور لتعزيز مرونة القطاع المصرفي والمالي، وأعلنت حكومة دبي عن حزمة دعم بقيمة مليار درهم إماراتي للقطاع الخاص، وتوضح هذه الحزمة الاستباقية أن دولة الإمارات لا تنتظر تفاقم الأزمة، بل اختارت التحرك بشكل استباقي للتخفيف من المخاطر الناشئة وتحقيق الاستقرار لآفاق النمو.

صدمات غير مسبوقة

بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي، فإن الصدمات غير مسبوقة، وتتمثل غالبية هذه الصدمات في صدمات العرض، على عكس صدمات الطلب التي عادةً ما تؤثر على أسواق الطاقة، وقد تأثرت أنشطة التجارة والتمويل في القطاعين النفطي وغير النفطي، مع تأثير سلبي محتمل واسع النطاق، بما في ذلك التأثير المالي (من انخفاض الإيرادات النفطية وغير النفطية، وزيادة الإنفاق الحكومي على الأمن والدفاع والتعويضات)، وعلى أسواق الدين والأسهم، والتجارة وميزان المدفوعات، وتدفقات رأس المال مع تعديل المحافظ الاستثمارية وفقاً لتغير توقعات العائد والمخاطر والنتائج.

هناك أيضاً خطر وجودي وإبادة بيئية محتملة في حال تعرض محطات تحلية المياه ومحطات الطاقة النووية للقصف النووي، ما قد يؤدي إلى انتشار إشعاعي.

وتتفاوت درجة تأثر دول الخليج بالصدمات المختلفة، من الأكثر تأثراً (العراق، والبحرين، والكويت) إلى الأقل تأثراً (المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، وسلطنة عمان)، وذلك تبعاً لمستوى اعتمادها على النفط والغاز في أنشطتها التجارية وإيراداتها الحكومية، فضلاً عن موقعها الجغرافي، إذ تتمتع دول الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية وسلطنة عمان بإمكانية وصول تجارتها إلى البحر الأحمر والمحيط الهندي مباشرة.

أما بالنسبة لمستوردي الطاقة والغذاء في المنطقة (لا سيما مصر، والأردن، ولبنان، والمغرب، وسوريا، وغيرها)، فإن آثار الحرب تشمل انخفاض قيمة العملة، وارتفاع التضخم، وزيادة تدفقات رأس المال إلى الخارج، وانخفاض التحويلات المالية وتدفقات رأس المال إلى الداخل، وكل ذلك يؤدي إلى انخفاض الناتج المحلي الإجمالي واحتمال حدوث أزمات ائتمانية واضطرابات في ميزان المدفوعات، وستحتاج جميع هذه الدول إلى تدخل خارجي للحصول على السيولة والتسهيلات المالية من المؤسسات الإقليمية والدولية، مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وصندوق النقد الإفريقي.

وبالنسبة للبنان، الذي يعاني بالفعل من أزمة متعددة، فهناك دمار واسع النطاق ونزوح جماعي متكرر للسكان ما يزيد من البؤس والفقر والضغوط الاقتصادية الكلية، بما في ذلك زيادة تكلفة إعادة الإعمار.

إعادة الهيكلة

ندخل الآن مرحلة مراجعة وإعادة هيكلة للاستراتيجيات، فعلى مدى العقود الماضية برزت دول مجلس التعاون الخليجي كمراكز عالمية للطاقة الأحفورية (النفط والغاز) والطاقة المتجددة أيضاً، إلى جانب الأسمدة والبتروكيماويات والألمنيوم والنقل والخدمات اللوجستية عبر موانئها ومطاراتها، واستطاعت دول المنطقة التحول إلى مراكز مالية دولية بفضل قوتها المالية وحجم صناديقها السيادية ونطاقها الواسع.

من المتوقع أن تؤدي الحرب الدائرة متعددة الأوجه إلى مراجعة استراتيجيات وسياسات التنويع، كما حدث نتيجةً لجائحة كوفيد-19، وستُعاد هيكلة سلاسل التوريد الإقليمية والعالمية تبعاً لنتائج هذه الحرب.

تكلفة التعافي

يستمر تدمير البنية التحتية ويتزايد، بما في ذلك قطاعات الطاقة والكهرباء والمياه وتحلية المياه والتقنيات الرقمية والاتصالات والذكاء الاصطناعي والنقل والخدمات اللوجستية، ما سيُكلف مبالغ طائلة لإصلاحها وإعادة بنائها، وسيؤثر على تكلفة وسرعة التعافي من آثار الحرب.

تُقدر الخسائر الأولية في البنية التحتية للطاقة بنحو 25 مليار دولار، وستكون تكاليف إعادة الإعمار بعد الحرب باهظة، وتشمل إنشاء بنية تحتية جديدة للطاقة والمياه والنقل، وخطوط أنابيب جديدة، وأنظمة دفاعية جديدة، ومع ذلك تمتلك دول مجلس التعاون الخليجي احتياطيات ضخمة وإمكانية تعبئة موارد مالية أخرى، فضلاً عن قدرة ديناميكية على الاستجابة للمتغيرات.

تم إعداد هذه المقالة لصالح CNN الاقتصادية، والآراء الواردة فيها تمثّل آراء الكاتب فقط ولا تعكس أو تمثّل بأي شكل من الأشكال آراء أو وجهات نظر أو مواقف شبكة CNN الاقتصادية.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى