شؤون عربية ودولية

725 مليار دولار تحمي وول ستريت.. إلى متى؟




من السهل تفسير صعود وول ستريت بقوة أرباح شركات التكنولوجيا، ومن الأسهل تجاهل ما يحدث خلف المؤشرات ما دامت القمم تتجدد. السيولة العالمية تتراجع، والخزانة الأميركية تستهلك قدراً متزايداً من رؤوس الأموال، والفائدة الحقيقية ما زالت مرتفعة، والمستهلك بدأ يخفف إنفاقه. مع ذلك، بقيت السوق متماسكة لأن إنفاق الذكاء الاصطناعي صار كبيراً إلى درجة تسمح له بحمل قطاعات كاملة من الاقتصاد.هذه هي معادلة النصف الثاني من 2026.. لدى السوق مجموعة متزايدة من نقاط الضعف، وفي مواجهتها دورة استثمارية تُقدّر بمئات المليارات من الدولارات. والسؤال لم يعد عن وجود المخاطر، فهي واضحة في الائتمان والسيولة وسوق السندات، بل السؤال يتعلق بالمدة التي يستطيع خلالها إنفاق الذكاء الاصطناعي تغطية هذه المخاطر قبل أن يصل أثرها إلى الأرباح والأسعار.السيولة تنحسر والدين يطلب المزيددورة السيولة العالمية بلغت ذروتها في منتصف 2025، وبدأت تتحرك نحو قاع متوقع في 2027.هذا التحول يأتي في توقيت يستعد فيه العالم لإعادة تمويل نحو 40 تريليون دولار من الديون خلال العام المقبل، بزيادة تقارب 4 تريليونات دولار على 2026.إعادة التمويل في زمن السيولة الوفيرة تمر عادةً من دون أزمة واسعة؛ الصورة تصبح أكثر حساسية عندما تتراجع الأموال المتاحة بالتزامن مع ارتفاع حاجات الاقتراض، والشركات والحكومات والمقترضون في الأسواق الخاصة سيتنافسون على رأس المال نفسه، وكلفة هذا التنافس ستظهر تدريجياً في العوائد وشروط الائتمان وتقييمات الأصول.الخزانة الأميركية تضيف ضغطاً خاصاً إلى هذه المعادلة؛ فالعجز الفيدرالي يحتاج إلى إصدارات ضخمة من السندات، فيما يغيب التيسير الكمي وتبقى قدرة المصارف المحلية على استيعاب الدين مقيدة بالمتطلبات التنظيمية.كل إصدار جديد يحتاج إلى مشترٍ، وكل ارتفاع في عائد السندات الحكومية يرفع المعيار الذي تُقاس عليه بقية الاستثمارات.لهذا لا ينحصر أثر الدين الأميركي في الموازنة العامة، فالعائد الأعلى على أداة حكومية آمنة يضغط على تقييمات الأسهم، ويرفع كلفة الاقتراض على الشركات، ويجعل تمويل المشروعات الخاصة أكثر صعوبة.وقد تمنح زيادة الإنفاق الحكومي الاقتصاد دفعة قبل انتخابات التجديد النصفي، ثم تعود هذه الدفعة في صورة عجز أوسع وإصدارات أثقل.الفيدرالي أبقى الكلفة مرتفعةأظهر الاقتصاد الأميركي قدرة لافتة على تحمل الفائدة، وهو ما شجّع المستثمرين على الاعتقاد بأن أثر التشديد النقدي صار خلفهم، غير أن الفائدة الحقيقية ما زالت فوق المستوى المحايد، وآثارها تعمل بفجوة زمنية طويلة.جزء كبير من الديون لم يُعَد تسعيره بعد، فالشركات التي اقترضت في سنوات المال الرخيص ستواجه عوائد أعلى عند الاستحقاق، والأسر تتحمل كلفة أكبر على بطاقات الائتمان والقروض، والقطاعات المعتمدة على التمويل تجد هوامشها تحت ضغط متزايد.نبرة الاحتياطي الفيدرالي المتشددة تزيد صعوبة المشهد، فاحتمال تثبيت الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول، أو العودة إلى رفعها، يعني أن تخفيف الأوضاع المالية قد يتأخر في الوقت الذي تنكمش فيه السيولة العالمية.حتى الآن، تكفلت قوة الأرباح والإنفاق الرأسمالي بتغطية هذا الضغط؛ المشكلة أن أثر الفائدة لا يحتاج إلى ركود شامل كي يظهر، وقد يبدأ في شركة تواجه إعادة تمويل مكلفة، أو صندوق ائتمان خاص يضطر إلى إعادة تقييم أصوله، ثم ينتقل إلى أجزاء أوسع من السوق.هدوء المؤشر يخفي سوقاً أقل تماسكاًمؤشر التقلب VIX ما زال عند مستويات توحي بالاطمئنان. في المقابل، انخفض الارتباط بين الأسهم المكونة لمؤشر S&P 500 إلى مستويات استثنائية، ما سمح للمؤشر بالبقاء هادئاً رغم تحركات واسعة ومتباينة داخله.هذا التباعد مفيد للمؤشر ما دام بعض الأسهم يعوض ضعف البعض الآخر؛ الخطر يظهر عندما تأتي صدمة تؤثر في السوق كلها، فتبدأ الأسهم بالتحرك في اتجاه واحد.ارتفاع الارتباط من مستويات منخفضة جداً ترافق تاريخياً مع موجات بيع سريعة، كما حدث خلال تفكك صفقات اقتراض الين في أغسطس 2024.الهدوء الحالي قد يستمر لكنه يعتمد على بقاء الضغوط متفرقة، وعلى قدرة الشركات الكبرى على حماية المؤشر من الضعف في القطاعات الأخرى، وحين يتركز الصعود في مجموعة صغيرة من الأسهم، تصبح المؤشرات أقل تعبيراً عن صحة السوق كاملة.المستهلك الأميركي يفقد توازنه القديمبعد شهرين من النمو القوي، انكمش الائتمان الاستهلاكي، وخاصة ديون بطاقات الائتمان، للمرة الأولى منذ قرابة عامين. وفي الوقت نفسه، هبط معدل الادخار الشخصي إلى 3%، قرب أدنى مستوياته منذ 1960.هذه الأرقام تعكس ضيقاً متزايداً لدى الأسر التي لم تعد أجورها تواكب التضخم وكلفة الاقتراض؛ الإنفاق أصبح أكثر حذراً، والاعتماد على المدخرات والبطاقات وصل إلى حدود يصعب تمديدها طويلاً.استمرار الاستهلاك القوي يعود بدرجة كبيرة إلى الأسر الأعلى دخلاً؛ أعلى 10% من أصحاب الدخل باتوا مسؤولين عن قرابة نصف الإنفاق الاستهلاكي في الولايات المتحدة.هذه الشريحة تستفيد من ارتفاع الأصول المالية، وتملك قدرة أكبر على تحمل التضخم والفائدة.هذا الانقسام يحمي النمو في الوقت الحالي، ويجعله معتمداً بصورة متزايدة على فئة محدودة، أي تراجع قوي في الأسهم، أو ارتفاع ملموس في البطالة، قد يضغط على الفئة التي تحمل الاستهلاك، فتنتقل الأزمة من الشرائح الأقل دخلًا إلى الاقتصاد الأوسع.صعود ممول بـ1.42 تريليون دولارديون الهامش بلغت مستوى قياسيًاً عند 1.42 تريليون دولار في مايو، بارتفاع 53.7% خلال عام.هذا التمويل ساعد على زيادة الطلب على الأسهم، خصوصاً أشباه الموصلات والشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.الاقتراض يضخم الصعود طالما ترتفع قيمة الضمانات، وعندما تتراجع الأسهم المفضلة، يبدأ المستثمرون بخفض المراكز، ثم تتحول بعض المبيعات إلى عمليات إجبارية. لذلك، تستحق أسهم الرقائق متابعة خاصة.ضعفها في وقت تبقى فيه المؤشرات قرب القمم قد يكشف أن الرافعة التي دفعت السوق بدأت تفقد قوتها.صفقات اقتراض الين تضيف مصدراً آخر للتمويل، فضعف العملة اليابانية سمح للمستثمرين بالاقتراض بكلفة منخفضة، وتحويل الأموال إلى الدولار، ثم شراء أصول أميركية ذات عائد أعلى، واستمرار تراجع الين يجعل الصفقة مربحة ويشجع على توسعها.الخطر يرتبط بالانعكاس، فارتفاع عوائد السندات اليابانية أو صعود الين قد يدفعان المستثمرين إلى بيع الأصول الأميركية وشراء العملة اليابانية لإغلاق مراكزهم، وكلما ازداد حجم الصفقة، أصبحت عملية الخروج أكثر اضطرابًا.الذكاء الاصطناعي يشتري الوقتأمام هذه الضغوط تقف دورة إنفاق لا تشبه أي استثمار تقني سابق من حيث الحجم.أمازون ومايكروسوفت وألفابت وميتا تتجه إلى إنفاق نحو 725 مليار دولار على الاستثمارات الرأسمالية خلال 2026، بزيادة تقارب 75% عن العام الماضي.غولدمان ساكس رفع تقديراته للإنفاق التراكمي للشركات الأربع بين 2025 و2030 إلى 5.3 تريليون دولار.هذه الأموال تتوزع على مراكز البيانات والرقائق وشبكات الكهرباء والمحولات والتوربينات والتبريد والإنشاءات.الأثر يصل إلى الاقتصاد عبر قنوات متعددة، فشركات التكنولوجيا ترفع الطلب على المعدات، وشركات الطاقة توسع قدراتها، وقطاع البناء يخلق وظائف، وموردو الرقائق يسجّلون إيرادات قياسية، كما تمنح قوائم الطلبات المتراكمة في الخدمات السحابية الإدارات رؤية أوضح للإيرادات المقبلة، ما يشجعها على مواصلة الإنفاق.هذه الدورة هي السبب الأهم وراء قدرة السوق على تجاهل الرياح المعاكسة، وما دامت الشركات الكبرى تضخ مئات المليارات، تبقى الأرباح قوية ويستمر الطلب على الأصول المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.الامتحان يبدأ عند أول تباطؤالمشكلة أن السوق لم تعد تسعر وجود هذه الدورة فقط، فالأسعار الحالية تفترض استمرارها بقوة، وقدرة الشركات على تحويل الإنفاق الضخم إلى أرباح ونمو في التدفقات النقدية.أي تباطؤ في الطلب السحابي، أو ضعف في العائد على مراكز البيانات، أو ضغط على ميزانيات الشركات سيعيد ترتيب الحسابات سريعاًـ وعندها ستظهر أعباء السيولة والدين والفائدة والائتمان التي بقيت حتى الآن خلف قصة الذكاء الاصطناعي.لا توجد إشارة حاسمة إلى أن هذه اللحظة وصلت، فالإنفاق ما زال قوياً، والأرباح تدعم المسار، والسوق تستطيع مواصلة الصعود مدة أطول. لكن قدرة محرك واحد على حماية المؤشرات لا تعني أن بقية الاقتصاد خالٍ من الشقوق.وول ستريت تملك اليوم سبباً قوياً للاستمرار، وتملك في الوقت نفسه أسبابًا كثيرة للحذر. الـ725 مليار دولار تمنحها وقتاً إضافياً، ما لا تستطيع شراءه هو ضمان أن الرياح ستبقى في الاتجاه نفسه إلى الأبد.تم إعداد هذه المقالة لصالح CNN الاقتصادية، والآراء الواردة فيها تمثل آراء الكاتب فقط، ولا تعكس أو تمثل بأي شكل من الأشكال آراء أو وجهات نظر أو مواقف شبكة CNN الاقتصادية.



Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى