شؤون عربية ودولية

كيف تبني الإمارات الثقة في عصر الذكاء الاصطناعي؟.. 4 ركائز رئيسية : CNN الاقتصادية



تتنامى أهمية الذكاء الاصطناعي بسرعة كبيرة بصفته سمة مميزة للاقتصادات الحديثة، وتتجه الدول حول العالم إلى توظيف قدراته لتحفيز النمو الاقتصادي والابتكار والتحول الوطني، وتسبق دولة الإمارات هذا التوجه العالمي من خلال دمج الذكاء الاصطناعي ليكون ركيزة أساسية في مختلف الجهات الحكومية والقطاعات الاقتصادية والخدمات العامة.

لكن اعتماد هذه التقنيات على مستويات وطنية يغير مفهوم الثقة، فمع توجه الإمارات لتعزيز دور الذكاء الاصطناعي في اقتصادها، تتحول الثقة من مجرد اعتبار تقني إلى أصل استراتيجي وطني يمنح المؤسسات الثقة للابتكار، ويمكّن الحكومات من توسيع نطاق الخدمات الذكية، ويشجع الأفراد للإقبال على مستقبل يتسارع فيه التحول الرقمي.

ويأتي تسارع الابتكار مصحوباً بمستويات أعلى من التعقيد والسرعة والهجمات السيبرانية، وفي هذا السياق كشف أحدث تقارير «حالة السوق» الصادر عن Help AG أن الهجمات المدعومة بالذكاء الاصطناعي باتت قادرة على الانتقال من مرحلة الاختراق الأولي إلى إحداث تأثير كبير في أقل من 40 ساعة، مع العلم أن متوسط تكلفة اختراق البيانات في الشرق الأوسط تجاوز 7 ملايين دولار أميركي.

وترى Help AG، بصفتها ذراع الأمن السيبراني التابعة لمجموعة «إي آند» (e&)، ترسّخ حقيقة مفادها أن الثقة تتحول إلى تحدٍ حاسم ولربما إلى الفرصة الأهم في عصر الذكاء الاصطناعي، فالثقة ينبغي أن تكون مبدأ أساسياً في مختلف طبقات المنظومة الرقمية.

وبالنسبة لدولة الإمارات، يستند هذا المبدأ على أربع ركائز مترابطة.

الركيزة الأولى: عامل الثقة في الأنظمة المستقلة

تأمين الذكاء الاصطناعي الوكيلي

لم تعد صورة الذكاء الاصطناعي في الأذهان تقتصر على أدوات تعزيز الإنتاجية أو النماذج التوليدية، بل باتت مرتبطة بالأنظمة المستقلة القادرة على اتخاذ إجراءات وتنفيذ مهام نيابةً عن المستخدمين، فاليوم يمكن لوكلاء الذكاء الاصطناعي التفاعل مع التطبيقات وتنفيذ مهام العمل واتخاذ القرارات، وكل ذلك مع تراجع الحاجة للتدخل البشري، ما يمثل فرصة استثنائية للحكومات والشركات على حد سواء.

لكن مع كل وكيل ذكاء اصطناعي جديد تنشأ هوية رقمية جديدة، ومع كل تفاعل مع أحد النماذج تتشكل علاقة ثقة جديدة، فيما يفرض كل قرار أو إجراء يُنفذ بصورة مستقلة تحديات تتعلق بالحوكمة والمساءلة والرقابة، ونتيجة لذلك لم يعد التحدي يقتصر على حماية التطبيقات أو البيانات، بل أصبح يمتد إلى ضمان سلامة سلوك هذه الأنظمة نفسها.

ونظراً لدمج الأنظمة المستقلة في عمل المؤسسات، صارت الحوكمة عنصراً أساسياً لتحقيق الثقة، وبات لزاماً على هذه الجهات أن تحدد بوضوح ما يمكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي الوصول إليه، وما يُسمح لها بتنفيذه، والمهام التي يجب أن يظل الإشراف البشري فيها جزءاً أساسياً من عملية اتخاذ القرار.

وبالنسبة لقادة الأعمال، لم يعد السؤال عن مدى احتمالية اندماج الذكاء الاصطناعي في شركاتهم، بل عن كيفية توظيف ذكاء مستقل بطريقة تعزز الثقة بدلاً من أن تُحدث حالة من الغموض والحيرة في بيئة العمل، ولتحقيق ذلك ينبغي أن تكون الحوكمة والأمن والمساءلة عوامل تمكين للابتكار، لا عوائق أمامه.

وتتسم هذه الخطوة بأهمية كبيرة، لا سيما في ضوء جهود دولة الإمارات المتسارعة لاعتماد الذكاء الاصطناعي الوكيلي في مختلف الجهات الحكومية والقطاعات، وفي هذا السياق لا تتحقق الأفضلية بالمسارعة في توظيف الأنظمة المستقلة، بل ببناء الثقة اللازمة لتوسيع نطاق هذه الأنظمة بطريقة مسؤولة.

الركيزة الثانية: الثقة في التحكم

السيادة تبدأ من التصميم

لسنوات، ارتبط مفهوم السيادة إلى حد كبير بمكان استضافة البيانات، إلا أن هذا الفهم لم يعد كافياً، ففي اقتصاد يقوده الذكاء الاصطناعي أصبحت السيادة تعني، قبل كل شيء، القدرة على التحكم، أي من يدير الأنظمة الحيوية؟ ومن يتولى حوكمة البنية التحتية الرقمية؟ ومن يملك الاطلاع الكامل على البيانات والنماذج والمنصات التي تقوم عليها الخدمات الأساسية؟ ومن يستطيع التحرك بحسم عند وقوع أي اضطراب؟

وبالنسبة لدولة الإمارات، يتطلب تحقيق هذا المبدأ، الذي يُعد أساسياً لتحقيق طموحاتها الرقمية طويلة الأمد، الثقة في أن القدرات الرقمية الحيوية تُدار بأمان، وتخضع لحوكمة فعالة، وتنسجم مع الأولويات الوطنية.

إن الثقة في البنية التحتية الرقمية تمنح المؤسسات الأساس اللازم لاعتماد التقنيات الناشئة بوتيرة أسرع، وتوسيع نطاق الابتكار بأمان أكبر، والاستجابة للمتغيرات بقدر أعلى من المرونة، وفي عصر الذكاء الاصطناعي لن تكون السيادة عاملاً يحد من الابتكار، بل ستصبح ركيزة تمنح المؤسسات الثقة اللازمة لتوسيع نطاقه.

الركيزة الثالثة: الثقة في المستقبل

بناء الجاهزية لعالم ما بعد الحوسبة الكمية

للمرة الأولى في التاريخ، قد لا تضمن وسائل الحماية التي تؤمّن المعلومات اليوم استمرار حمايتها في المستقبل، فالبيانات طويلة الأمد، بدءاً من السجلات الصحية والمعاملات المالية وصولاً إلى الملكية الفكرية والبنية التحتية الوطنية، قد تظل عرضة لمخاطر فك التشفير مستقبلاً إذا لم تبدأ المؤسسات بالاستعداد من الآن.

وعلى عكس غالبية تحديات الأمن السيبراني، فإن حالة الجاهزية لعالم ما بعد الحوسبة الكمية تتطلب بدء العمل عليها قبل وقت طويل من ظهور التهديد إلى العلن، فهو يفرض على المؤسسات اتخاذ قرارات استراتيجية اليوم لحماية القيمة التي تبنيها للمستقبل.

لذا، بدأت الحكومات والقطاعات حول العالم التحضير لعصر الحوسبة الكمية، انطلاقاً من إدراكها بأن أقوى الاقتصادات الرقمية ستكون تلك التي تستثمر في ترسيخ الثقة قبل أن تواجه اختباراً حقيقياً.

وخلافاً لموجات التحول التقني السابقة، لن يتحقق الانتقال إلى أمن سيبراني مقاوم للحوسبة الكمية خلال أشهر، بل سيستغرق سنوات، ولذلك فإن قيادة العقد المقبل يتطلب اتخاذ هذه القرارات من اليوم.

ومع مواصلة دولة الإمارات الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، والحكومة الرقمية، والابتكار المالي، والبنية التحتية الوطنية الحيوية، لم يعد بناء الجاهزية لمواجهة تحديات الحوسبة الكمية يقتصر على حماية التشفير، بل أصبح ضرورة لصون الثقة التي تقوم عليها هذه الطموحات.

ولا شك أن الحوسبة الكمية ستغير حدود الإمكانات التقنية، لكن مسؤوليتنا هي ألا نسمح لها بأن تهز أسس الثقة.

الركيزة الرابعة: الثقة في استمرارية الخدمات

المرونة بصفتها قدرة استراتيجية

في اقتصاد يقوده الذكاء الاصطناعي، لم تعد المرونة تقتصر على التعافي من الاضطرابات، بل أصبحت إحدى السمات التي تميز المؤسسات القيادية، فإمكانية توسيع نطاق الخدمات، وتبني التقنيات الجديدة، وتسريع اعتماد الذكاء الاصطناعي الوكيلي، تعتمد في نهاية المطاف على الثقة في قدرة الأنظمة الداعمة لها على العمل باستمرار، وبأمان، وعلى نطاق واسع.

لذا، فالمرونة لم تعد تقتصر على كونها هدفاً في مجال الأمن السيبراني، بل أصبحت قدرة استراتيجية على مستوى المؤسسة، تُمكّن الحكومات والشركات والقطاعات المختلفة من الابتكار بثقة، وإدارة عملياتها بثبات، وتحقيق النمو بأمان.

ويغيّر هذا التحول في أهمية المرونة الطريقة التي تُقاس بها، والتي لم تعد تعتمد على عدد الضوابط الأمنية المطبقة أو على سرعة الاستجابة للحوادث، بل على قدرة المؤسسة على مواصلة تقديم خدماتها الحيوية، والتكيف مع المتغيرات، والحفاظ على الثقة، حتى في مواجهة الاضطرابات.

فالابتكار يتيح الفرص، لكن المرونة تضمن استدامتها.

الفصل الجديد من الريادة الرقمية

ترتبط هذه الركائز الأربع ارتباطاً وثيقاً ببعضها، فلا يمكن تحقيق ذكاء اصطناعي آمن من دون سيادة رقمية فعلية، ولا يمكن الحفاظ على هذه السيادة من دون مرونة، كما أن تحقيق المرونة على المدى الطويل يتطلب الاستعداد لمستقبل يتزايد فيه الاعتماد على الحوسبة الكمية والأنظمة المستقلة والذكاء الاصطناعي، لذا تشكل هذه الركائز مجتمعةً الأساس الذي تقوم عليه الابتكارات الموثوقة.

وقد نجحت دولة الإمارات بترسيخ مكانتها في صدارة مشهد التحول الرقمي على مستوى العالم، لكن الفرصة المقبلة لا تتطلب تسريع اعتماد الذكاء الاصطناعي فحسب، بل ترسيخ معيار عالمي لذكاء اصطناعي جدير بالثقة، يقوم على الابتكار والمرونة والسيادة والثقة بوصفها ركائز متكاملة.

وفي عصر الذكاء الاصطناعي سيرسم الابتكار ملامح المستقبل، لكن الثقة هي التي سترسم آفاق ما يمكن أن نحققه.

تم إعداد هذه المقالة لصالح CNN الاقتصادية، والآراء الواردة فيها تمثل آراء الكاتب فقط، ولا تعكس أو تمثل بأي شكل من الأشكال آراء أو وجهات نظر أو مواقف شبكة CNN الاقتصادية.



Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى