
تنافس شركات التكنولوجيا الكبرى الحكومات والمصارف والمصانع على مورد أكثر ندرة، وهو رأس المال طويل الأجل، ومع انتقال تمويل مراكز البيانات من السيولة الذاتية إلى السندات والقروض والائتمان الخاص، يواجه المستثمرون سيلاً من الديون الجديدة قد يرفع العوائد ويزيد تكلفة الاقتراض في الاقتصاد العالمي بأكمله.
نصف تريليون دولار من الديون
يتوقع مورغان ستانلي أن تبلغ إصدارات الديون العالمية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي نحو 570 مليار دولار في 2026، بعدما جُمعت 236 مليار دولار حتى نهاية مايو أيار، أي أربعة أمثال وتيرة العام السابق، وبحلول مطلع يوليو تموز، أصدرت ست من أكبر شركات التكنولوجيا نحو 244 مليار دولار من السندات عالمياً، بينما وصلت الإصدارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي إلى قرابة 15% من سوق السندات ذات التصنيف الاستثماري.
ويتوقع باركليز وصول إجمالي إصدارات السندات ذات التصنيف الاستثماري إلى مستوى قياسي يبلغ 1.9 تريليون دولار في 2026، مقابل 1.44 تريليون دولار خلال العام السابق، أما ألفابيت وأمازون وميتا ومايكروسوفت وأوراكل، فيُنتظر أن يتجاوز إنفاقها المجمع على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي 730 مليار دولار هذا العام، ما يعني أن السيولة التشغيلية وحدها لن تكفي للحفاظ على وتيرة الاستثمار.
قروض لعقود طويلة
تتجه شركات التكنولوجيا إلى آجال طويلة تتناسب مع العمر التشغيلي لمراكز البيانات وعقود الإيجار وتوريد الكهرباء، وتضم الأدوات المستخدمة سندات تقليدية وقابلة للتحويل، وقروض مشروعات، وأوراقاً مالية مدعومة بأصول، وتمويلات خارج الميزانية.
وجمعت (AMD)، مثلاً، بين آجال تستحق في 2029 و2031 و2033 و2036 ضمن طرح يستهدف ما بين 4 و5 مليارات دولار، بينما ترتبط منشأة أوبن إيه آي (OpenAI) في أوهايو بعقد إيجار مدته 20 عاماً وضمانات من إنفيديا (Nvidia) قد تصل إلى 105 مليارات دولار، وفق رويترز.
ولا تقتصر قائمة الممولين على البنوك؛ فقد تحولت شركات الائتمان الخاص ومديرو الأصول وشركات التأمين وصناديق التقاعد إلى مشترين ومقرضين أساسيين، تقودهم مؤسسات مثل (Apollo) و(BlackRock) و(Blackstone) و(Brookfield) و(KKR)، إلى جانب (JPMorgan) و(Goldman Sachs) و(Citi).
ويجذب الدين طويل الأجل شركات التأمين لأنه يوفر تدفقات ثابتة تقابل التزامات التقاعد، لكنه ينقل جزءاً من مخاطر طفرة الذكاء الاصطناعي بصورة غير مباشرة إلى مدخرات الأسر.
كيف تحدث المزاحمة؟
يحتاج كل سند جديد إلى مشترٍ، وعندما تتزامن ديون التكنولوجيا مع عجز حكومي ضخم وإصدارات سيادية قياسية، يطالب المستثمرون بعائد أعلى لاستيعاب المعروض.
وظهر ذلك مع بلوغ عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 30 عاماً 5.33%، وهو الأعلى منذ 2007، واقتراب نظيره البريطاني من أعلى مستوى منذ 1998، بالتزامن مع التضخم النفطي والمخاوف المالية.
وتضغط الإصدارات التكنولوجية الطويلة في الجزء نفسه من منحنى العائد الذي تعتمد عليه الحكومات لتمويل العجز والبنية التحتية، وفق فايننشال تايمز.
وتنتقل المزاحمة بعد ذلك إلى الشركات التقليدية: فالمرافق والعقارات والمصانع وشركات الاتصالات والطاقة المتجددة تحتاج أيضاً إلى تمويل طويل الأجل، لكنها غالباً تملك هوامش ربح وتصنيفات ائتمانية أضعف من عمالقة التكنولوجيا.
وقد تضطر إلى دفع علاوة أعلى، أو تقليص استثماراتها، أو تأجيل مشروعاتها، كما يمكن لارتفاع عوائد السندات الحكومية أن يرفع فوائد الرهن العقاري وتمويل السيارات وقروض الشركات، حتى إن لم تقترض هذه القطاعات لتمويل الذكاء الاصطناعي مباشرة، وفق بيزنس إنسايدر.

عامل في مصنع يعمل بالذكاء الاصطناعي (شترستوك)
اختبار التدفقات النقدية
يرى خبراء أسواق المال أن الخطر الحقيقي ليس حجم الدين فقط، بل قدرة مراكز البيانات على توليد إيرادات تكفي فوائد القروض وأقساطها، إلى جانب فواتير الكهرباء وتجديد الرقائق سريع التقادم.
وتحتاج المشروعات إلى عقود طويلة مع مستأجرين ذوي ملاءة، وضمانات من شركات التكنولوجيا، ونسب إشغال مرتفعة، وإذا تأخر الطلب التجاري على خدمات الذكاء الاصطناعي، فقد تظهر فجوة بين تدفقات نقدية مستقبلية غير مؤكدة والتزامات تمويلية ثابتة لعشرين أو ثلاثين عاماً.
أزمة عالمية أم إعادة تسعير؟
وبحسب رويترز، لا تشكل الطفرة أزمة تمويل عالمية حتى الآن؛ فمعظم المقترضين الكبار يملكون تصنيفات قوية وتدفقات نقدية ضخمة، ولا يزال وزن ديون الذكاء الاصطناعي محدوداً داخل مؤشرات الائتمان الأوسع، لكن الخطر يتصاعد إذا اجتمعت ثلاثة عوامل وهي تباطؤ عوائد الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، هبوط قيمة الرقائق ومراكز البيانات المقدمة كضمانات، واستمرار الحكومات في إصدار ديون قياسية، عندها قد تتحول المنافسة على المال إلى انسحاب جماعي من المخاطر، واتساع لفروق العائد، وتجميد تمويل المشروعات الأضعف.




