

والسؤال الذي يطرح نفسه: ما الذي يمكن أن تقدمه هذه العضوية فعلياً لاقتصاد يعاني من تضخم مرتفع وضغط متصاعد على سوق العمل؟
في تقديري، سيكون التأثير الفوري محدوداً للغاية، العضوية قد تفتح لاحقاً الباب أمام قروض لمشاريع البنية التحتية كمحطات الكهرباء والنقل والمياه، وهي مشاريع تتجنب البنوك الغربية تمويلها لإيران أصلاً، كما تمنح طهران مقعداً إلى جانب الصين وروسيا والهند، وهو مكسب رمزي وسياسي أكثر منه اقتصادي، غير أن باقي أعضاء البنك حذرون بدورهم من مخاطر العقوبات، ما يعني أن أي تمويل حقيقي سيكون بطيئاً ومحدود الحجم، والوصف الأدق، من وجهة نظري، هو أن إيران تفتح باباً جديداً، لا أنها تحصل على ضخ فوري للأموال.
التجارة بالعملات المحلية.. نجاح صغير وتحدٍّ كبير
في إطار سعيها للتحرر من هيمنة الدولار، توسّع إيران تجارتها المحدودة مع الصين والهند باستخدام اليوان والروبية، غالباً عبر مقايضة النفط بالبضائع، هذا النموذج ينجح على نطاق صغير ومُدار بعناية، لكنه يصطدم بعقبة جوهرية: صعوبة تحويل الريال الإيراني، ما يجعل من يملك أرصدة به مضطراً لإنفاقها على منتجات إيرانية فقط، هذا القيد يجعل التوسع نحو تجارة يومية واسعة أمراً بالغ الصعوبة.
وعلى المستوى الأوسع، أرى أن دفع «بريكس» نحو استخدام العملات المحلية سيؤدي، على مدى سنوات طويلة، إلى تآكل بطيء لدور الدولار، لا إلى تحول جذري وشيك، فالدولار لا يزال يحظى بثقة الأسواق وسهولة الاستخدام العالمي، في ظل غياب بديل حقيقي، واستمرار الصين في التحكم الصارم بعملتها، وعدم وجود نظام دفع موحد لدول المجموعة يضاهي نظام «سويفت»، إضافة إلى تباين مواقف الأعضاء أنفسهم حول سرعة هذا التحول.
التجارة أولاً.. والاستثمار الأصعب
بالنسبة لإيران، تبقى التجارة في تقديري الفرصة الأكبر بفارق واضح، خصوصاً في تصدير النفط والبتروكيماويات للصين والهند، يليها التمويل عبر البنك، لكن بحدود ضيقة، أما الاستثمار فيمثل التحدي الأصعب، إذ يحتاج المستثمرون إلى ضمانات قانونية وسهولة في تحريك أموالهم، فيما تظل مخاطر العقوبات عائقاً حتى أمام مستثمري دول «بريكس» أنفسهم.
أربعة شروط ومسار طويل
لكي تعمل التجارة بالعملات المحلية بين دول «بريكس» على نطاق أوسع، أشدد على ضرورة توفر أربعة عناصر: نظام دفع مشترك مستقل عن الدولار، وقابلية أكبر لتحويل عملات مثل اليوان والروبية، وأسواق محلية أعمق لإعادة استثمار الأموال، وثقة أكبر باستقرار أسعار الصرف.
في المحصلة، يبقى سعي إيران للانضمام إلى بنك «بريكس»، من وجهة نظري، جزءاً صغيراً من تحول عالمي أبطأ بكثير وأكثر تعقيداً، وليس نقطة تحول بحد ذاتها، فالدول الخاضعة للعقوبات، كإيران وروسيا، هي الأكثر اندفاعاً نحو البدائل، بينما تتحرك دول أخرى كالهند بحذر أكبر لحاجتها المستمرة لنظام الدولار، رأيي الصريح أن دور الدولار سيتراجع تدريجياً على مدى سنوات طويلة، وليس فجأة بسبب بنك واحد، وأدعو إلى مراقبة ثلاثة مؤشرات: هل سيتدفق تمويل حقيقي من البنك إلى إيران؟ وهل ستستمر تجارة النفط باليوان في النمو؟ وهل تنجح «بريكس» أخيراً في بناء نظام دفع بديل حقيقي بدلاً من الاكتفاء بالحديث عنه؟
تم إعداد هذه المقالة لصالح CNN الاقتصادية، والآراء الواردة فيها تمثل آراء الكاتب فقط، ولا تعكس أو تمثل بأي شكل من الأشكال آراء أو وجهات نظر أو مواقف شبكة CNN الاقتصادية.



