شؤون عربية ودولية

الجاهزية المالية للإمارات.. رؤية استباقية لإدارة المخاطر ودعم التنمية : CNN الاقتصادية



تشهد منطقتنا عدداً من التطورات الجيوسياسية، بالتوازي مع تحديات قائمة في الاقتصاد العالمي، ما يفرض على الحكومات تبنّي سياسات مالية استراتيجية بعيدة المدى تحقق التوازن بين الاستقرار والنمو.

وتعكس هذه المرحلة توازناً دقيقاً بين استمرار النشاط الاقتصادي وارتفاع عدم اليقين، بما يتطلب جاهزية مؤسسية وأدوات فعالة لإدارة المخاطر.

وقد أثبتت دولة الإمارات عبر تجاربها المختلفة قدرتها على التعامل بكفاءة مع المتغيرات الإقليمية والدولية، من خلال منظومة اقتصادية صلبة وسياسات مالية متوازنة عزّزت الاستقرار ودعمت استدامة النمو والازدهار.

وفي هذا السياق، تقدّم دولة الإمارات نموذجاً متقدماً ورائداً للجاهزية المالية، حيث تضطلع وزارة المالية بدور استراتيجي يتجاوز الإدارة التقليدية للموارد ليشمل تحقيق التوازن بين دعم النمو وضمان الاستدامة.

ويتجلى ذلك في تطوير الأطر التشريعية والرقمية، ورفع كفاءة الإنفاق، بما يعزّز الثقة والاستقرار المالي.

وتكتسب هذه المقاربة أهمية متزايدة في ضوء التقديرات الأخيرة لصندوق النقد الدولي، التي تشير إلى تباطؤ نسبي في وتيرة النمو العالمي في ظل استمرار حالة عدم اليقين، حيث يُتوقع أن يبلغ النمو نحو 3.0% عام 2026، قبل أن يتحسن إلى 3.4% عام 2027، وهو ما يظل دون المتوسطات التاريخية كما تشير التقديرات إلى ارتفاع معدل التضخم العالمي إلى نحو 4.7% في عام 2026، مدفوعاً باستمرار حالة عدم اليقين الجيوسياسي وارتفاع أسعار الطاقة والنقل، قبل أن يتراجع تدريجياً إلى نحو 3.9% عام 2027.

وتعكس هذه المؤشرات بيئة اقتصادية عالمية تتسم بالتوازن الحذر، ما يعزّز الحاجة إلى سياسات مالية أكثر اتساقاً وانضباطاً قادرة على التكيف مع مختلف السيناريوهات.

وعلى النقيض من هذا المشهد العالمي الحذر وحالة عدم اليقين، تُظهر آخر التقديرات لصندوق النقد الدولي أن اقتصاد دولة الإمارات سيحافظ على متانته، حيث يُتوقع أن يسجل نمواً بنحو 3.1% عام 2026 رغم الظروف الإقليمية والعالمية، قبل أن يعاود التسارع بشكل ملحوظ ليصل إلى نحو 5.3% عام 2027.

وتبرز هذه التقديرات دولة الإمارات نموذجاً للنمو المستدام والازدهار، كما تعكس نجاح الاستراتيجيات الوطنية في سياسة التنويع الاقتصادي وتعزيز جاذبية الاستثمارات الخارجية.

وفيما يتعلق باستقرار الأسعار، فمن المتوقع أن تظل دولة الإمارات ضمن النطاقات الأكثر انضباطاً عالمياً، حيث تشير التقديرات إلى استقرار معدل التضخم عند 2.5% عام 2026، مع توقعات بمزيد من التراجع ليصل إلى 2.1% عام 2027، ما يؤكد كفاءة السياسات النقدية والمالية للدولة في حماية القوة الشرائية لدى المستهلكين ودعم تنافسية القطاع الخاص وترسيخ الاستقرار الاقتصادي الشامل.

التنويع الاقتصادي

يرتكز النهج المالي على تنويع الأسس الإنتاجية وتقليل الاعتماد على الموارد التقليدية، حيث أسهمت السياسات طويلة الأمد في رفع مساهمة القطاعات غير النفطية إلى نحو 79% من الناتج المحلي الإجمالي، إذ يجسد هذا التحول بناء أسس أكثر تنوعاً تدعم استقرار الإيرادات، وفي هذا السياق، تبرز الملاءة المالية للدولة حيث تبلغ قيمة أصول صناديق الثروة السيادية نحو 2.49 تريليون دولار أميركي، ما يضع دولة الإمارات في المرتبة الثالثة عالمياً، الأمر الذي يحد من تأثر المالية العامة بتقلبات الأسواق، ويوفّر أساساً أكثر تماسكاً للتخطيط المالي واستمرارية التنمية، وصولاً إلى تحقيق توازن دقيق بين تحفيز النمو الاقتصادي، والحفاظ على الاستدامة المالية في مواجهة المتغيرات.

انضباط الميزانية

ويؤكد انضباط الميزانية فاعلية هذا النهج الذي تتبناه الدولة، حيث تعكس الميزانية الاتحادية لعام 2026، البالغة 92.4 مليار درهم، التزاماً واضحاً بتحقيق التوازن للسنة الثانية على التوالي، وهو ما يعبّر عن قدرة مؤسسية على إدارة الموارد بكفاءة عالية.

ويدعم هذا التوجه أداء مالي إيجابي يعكس تحقيق فائض في الميزانية بنسبة 5.6% من الناتج المحلي الإجمالي خلال السنوات الخمس الماضية، بما يعزز الثقة في استدامة السياسات المالية، ويؤكد قدرة الدولة على تحقيق التوازن بين متطلبات الإنفاق التنموي والحفاظ على الاستقرار المالي.

ثقة المستثمرين

وينعكس وضوح السياسات وكفاءة إدارة الموارد واتساق النهج المالي واستقراره على تقييم الأسواق للجدارة الائتمانية والاستدامة المالية، والذي أسهم بدوره في دعم ثقة المستثمرين.

وقد تجلى ذلك في الإقبال القوي على أدوات الدين الحكومية لدولة الإمارات، مع تغطية بلغت 4.4 مرة وعطاءات بلغت 4.85 مليار درهم على مزاد سندات الخزينة الحكومية بتاريخ 10 مارس 2026، في مؤشر يعكس تقديراً واسعاً لصلابة الإطار المالي.

كما تعززت هذه الثقة مع النجاح الكبير الذي حققه إطلاق أول برنامج لصكوك الخزينة الحكومية للأفراد في دولة الإمارات، الذي تُوِّج بإدراجه رسمياً في سوق دبي المالي، واستقطب طلبات اكتتاب بلغت 445 مليون درهم مقابل حجم إصدار أولي قدره 50 مليون درهم، محققاً تغطية بلغت نحو 9 مرات.

ويعكس هذا الإقبال الاستثنائي تنامي ثقة المستثمرين في الملاءة المالية القوية لحكومة دولة الإمارات، كما يجسّد نجاح جهود الدولة في توسيع قاعدة المستثمرين في أدوات الدين السيادية، وتعزيز عمق ومرونة أسواق رأس المال، بما يدعم استدامة النمو الاقتصادي ويعزز تنافسية المنظومة المالية الوطنية.

ويترسخ هذا الانطباع مع تثبيت وكالة «ستاندرد آند بورز جلوبال» التصنيف الائتماني عند مستوى“AA/A-1+” مع نظرة مستقبلية مستقرة بتاريخ 6 مارس 2026، وتثبيت تصنيف وكالة «موديز للتصنيف الائتماني» للدولة عند “Aa2” مع نظرة مستقبلية مستقرّة بتاريخ 30 مارس 2026، في شهادات عالمية متجددة على مكانة الدولة كوجهة موثوقة، وتعكس امتداد أثر السياسات المالية إلى ثقة الأسواق العالمية.

قوة الأصول والتنافسية

ويتكامل ذلك مع مكانة دولة الإمارات كوجهة عالمية تنافسية للاستثمار، حيث تعزز تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، التي بلغت نحو 45.6 مليار دولار خلال عام 2024، قدرة الاقتصاد الوطني على استقطاب رؤوس الأموال، مدعومة برؤية واضحة للتحول الرقمي، من خلال تبني بنية تحتية رقمية متقدمة وحلول مالية مبتكرة، بما في ذلك توسيع استخدام التقنيات المتقدمة في الخدمات الحكومية والمالية، بما يدعم كفاءة الأعمال ويخفض كلفة المعاملات، ما يعكس متانة البنية التحتية الرقمية المتطورة ومكانة الدولة واحدةً من أكثر النظم المالية جاهزية للمستقبل على مستوى العالم.

صلابة السيولة

تدعم السيولة المرتفعة الجاهزية المالية، حيث تشير تقديرات «ستاندرد آند بورز» إلى صافي أصول حكومية يعادل 184% من الناتج المحلي، وأصول سائلة تقارب 210%، ما يوفّر قدرة عالية على امتصاص الصدمات. ويواكب ذلك قطاع مصرفي قوي بإجمالي أصول تبلغ نحو 5.42 تريليون درهم.

انطلاقاً من هذه المرتكزات، تواصل دولة الإمارات ترسيخ نموذج مالي متوازن قائم على الاستدامة والانضباط، مدعوماً بحوكمة فعّالة وكفاءة مؤسسية، بما يضمن استمرارية التنمية وتعزيز القدرة على تحويل التحديات إلى فرص ضمن رؤية استراتيجية طويلة الأمد.

تم إعداد هذه المقالة لصالح CNN الاقتصادية، والآراء الواردة فيها تمثّل آراء الكاتب فقط ولا تعكس أو تمثّل بأي شكل من الأشكال آراء أو وجهات نظر أو مواقف شبكة CNN الاقتصادية.



Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى