الدولة كمنصة.. هل تتحول الحكومات إلى Amazon للاقتصاد؟ : CNN الاقتصادية


لم تعد الحكومات في الاقتصاد الحديث مجرد جهة تنظيمية تضع القواعد وتراقب الامتثال، بل بدأت تتحول تدريجياً إلى «منصات اقتصادية» تعيد تعريف العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع هذا التحول، المعروف بمفهوم «الدولة كمنصة» (State as a Platform)، لا يمثل تحديثاً تقنياً فحسب، بل نقلة هيكلية في دور الدولة ووظيفتها الاقتصادية.
في النموذج التقليدي كانت الدولة تعمل كحَكَم بين الأطراف الاقتصادية: تضع التشريعات، وتصدر التراخيص، وتراقب الأسواق، أما اليوم مع تسارع الاقتصاد الرقمي، لم يعد هذا الدور كافياً، فالدولة لم تعد فقط تنظم النشاط الاقتصادي، بل أصبحت تبني البيئة التي يُصنع فيها هذا النشاط، وتعيد تصميم قواعده.
هذا التحول يعكس إدراكاً عالمياً متزايداً بأن البنية التحتية الرقمية أصبحت محركاً أساسياً للنمو، ووفقاً لتقارير OECD الصادرة في عامي 2023 و2024، فإن الدول التي تستثمر في البيانات المفتوحة والمنصات الحكومية الرقمية تحقق مستويات أعلى من الابتكار والإنتاجية، كما أشار البنك الدولي في تقاريره لعام 2024 إلى أن رقمنة الخدمات الحكومية يمكن أن تقلل تكاليف الامتثال على الشركات بنسبة تتراوح بين 20% و30% في بعض الاقتصادات، وهو ما ينعكس مباشرة على تنافسية بيئة الأعمال.
وعندما تُبسّط الإجراءات، فإنها لا تختصر الوقت فقط، بل تعيد تعريف تكلفة الدخول إلى السوق، وتخفض الحواجز أمام الابتكار.
وهنا يظهر بعد استراتيجي بالغ الأهمية يتمثل في سلاسل الإمداد العالمية، ففي مرحلة ما بعد الجائحة لم تعد الكفاءة وحدها كافية، بل أصبحت المرونة والقدرة على التكيف عنصرين حاسمين في استقرار الاقتصاد العالمي، وتشير بيانات World Bank لعام 2023 إلى أن اضطرابات سلاسل الإمداد أسهمت في ارتفاع تكاليف التجارة العالمية وزيادة الضغوط التضخمية، ما دفع الدول إلى إعادة التفكير في نماذجها اللوجستية.
ضمن هذا السياق يفتح نموذج «الدولة كمنصة» آفاقاً جديدة لإعادة هندسة سلاسل الإمداد، فبدلاً من إدارة العمليات بشكل مجزأ بين جهات متعددة، يمكن للحكومة أن تبني منصة رقمية موحدة تربط بين الموانئ، والجمارك، والمناطق الحرة، وشركات الشحن، والقطاع الخاص، بما يتيح تدفقاً سلساً للبيانات والبضائع، هذا التكامل لا يختصر الزمن فحسب، بل يعزز الشفافية، ويخفض التكاليف، ويزيد من موثوقية النظام التجاري.
التجربة الإماراتية تقدم مؤشراً واضحاً على هذا التوجه، حيث لا يقتصر دور الدولة على موقعها الجغرافي الاستراتيجي، بل يمتد إلى تطوير منظومة لوجستية رقمية متقدمة تجعلها مركزاً لإدارة تدفقات التجارة، وليس مجرد ممر لها، وهنا يكمن التحول الحقيقي: من الاستفادة من الموقع، إلى تعظيم القيمة عبر المنصة.
غير أن تحقيق هذا التحول يتطلب أكثر من الاستثمار في التكنولوجيا، فهو يستدعي تبني رؤية متكاملة تضع البيانات في قلب عملية صنع القرار، وتعمل على تطوير أطر حوكمة توازن بين الانفتاح وحماية الخصوصية، وتعزز الثقة في استخدام البيانات، كما يتطلب الأمر إعادة تأهيل الكفاءات الحكومية لتواكب هذا التحول، بحيث تنتقل المؤسسات من عقلية التحكم إلى عقلية التمكين، ومن تقديم الخدمة إلى تصميم النظام.
ومن هذا المنطلق يصبح التحول إلى «دولة منصة» ليس خياراً تقنياً، بل قراراً استراتيجياً يعيد تعريف مفهوم السيادة الاقتصادية، ففي عالم تُدار فيه الاقتصادات عبر البيانات والتكامل الرقمي، تصبح القدرة على تصميم المنصة وليس فقط إدارة الموارد هي العامل الحاسم في تحديد موقع الدول في الاقتصاد العالمي.
في النهاية لم يعد السؤال ما إذا كانت الحكومات ستتحول إلى منصات، بل كيف يمكنها تسريع هذا التحول بطريقة تحقق التوازن بين الابتكار والاستقرار، فالدولة التي تنجح في بناء منصة اقتصادية متكاملة لن تكون فقط أكثر كفاءة، بل ستكون أيضاً أكثر قدرة على جذب الاستثمارات، واستقطاب المواهب، وإدارة تدفقات التجارة العالمية في عالم يتجه بسرعة نحو اقتصاد المنصات.
تم إعداد هذه المقالة لصالح CNN الاقتصادية، والآراء الواردة فيها تمثّل آراء الكاتب فقط ولا تعكس أو تمثّل بأي شكل من الأشكال آراء أو وجهات نظر أو مواقف شبكة CNN الاقتصادية.




