شؤون عربية ودولية

أزمة الطاقة العالمية وحتمية التحول إلى الطاقة المستدامة : CNN الاقتصادية



طالما يُنظر إلى قضايا البيئة والتنمية المستدامة باعتبارها قضايا فرعية لا تحظى بالأولوية على أجندة الاقتصاد العالمي، ولكن العالم يكتشف اليوم، وبشكل متسارع للغاية، أن هذا التصور كان أحد أكبر أخطائه الاستراتيجية على مدار العقود السابقة!

حيث لم تعد أزمة الطاقة مجرد نقص في الإمدادات، بل تحولت إلى اختبار حقيقي وغير مسبوق لقدرة العالم على إعادة تعريف معنى الطاقة نفسها.

مخاطر متعددة للطاقة التقليدية

فالحضارة البشرية بشكلها الحالي ترتكز، وبشكل كبير، على الكهرباء كمصدر أساسي للطاقة في الحياة الحديثة، وغيابها لا يعني فقط انقطاع التيار، بل توقف الإنترنت، وتعطل الهواتف المحمولة، وشلل ماكينات الصراف الآلي، وتوقف صور متعددة من حركة النقل.

في لحظة واحدة، قد تنطفئ الأنوار، لكن الأزمة الحقيقية ليست في الظلام فقط، بل في النظام الذي صنعه.

تغيرات المناخ الناتجة عن الكربون واستخدام الطاقة التقليدية ليست مسألة بيئية فقط، بل أصبحت معضلة تمس شكل الحياة على كوكب الأرض، فهناك تقديرات تؤكد أن ارتفاع درجة حرارة الأرض يؤدي إلى خسائر اقتصادية كبيرة في الناتج المحلي العالمي، حيث يظهر التأثير المباشر في انخفاض إنتاجية قطاعات «الزراعة وصيد الأسماك والسياحة».

الدول النامية والتغير المناخي

وهنا يجب التنويه أن القارة الإفريقية تعد من أبرز المتأثرين بالتغير المناخي، والأقل تأثيراً في الانبعاثات الكربونية، حيث يعمل عدد كبير من السكان في الزراعة، كما يؤدي التغير المناخي في القارة الإفريقية إلى ارتفاع مستوى سطح البحر وزيادة شدة الفيضانات، وبالتالي التأثير على المحاصيل الزراعية التي تؤدي إلى نقص المعروض وارتفاع أسعار الغذاء، وخفض الصادرات الزراعية، والعمل على استيراد المحاصيل الزراعية.

كما يمكن القول إن استمرار ارتفاع درجات الحرارة في الكرة الأرضية قد يؤدي إلى ارتفاع منسوب البحر، والذي قد يؤدي إلى غرق مساحات كبيرة من الأراضي اليابسة واختفاء الحياة عليها، وبالتالي فقضايا المناخ والتنمية المستدامة أصبحت أمراً ملحّاً لحكومات العالم لاتخاذ قرارات وإجراءات أكثر جدية، وخصوصاً للدول الصناعية الكبرى، وبالتالي نجد أن الدول النامية هي الخاسر في هذه المعركة.

خيار الطاقة النظيفة

ومن هنا، لم يعد البحث عن الطاقة خياراً، بل أصبح تحدياً حقيقياً لاستمرار الحياة على كوكب الأرض، ومع ظهور أزمة مضيق هرمز الحالية الناتجة عن الحرب بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل وإيران، نجد أن هناك اهتماماً بقضايا الطاقة وتأثيرها على الحياة اليومية للفرد في أي مكان بالعالم.

ويبرز هنا السؤال المهم: كيف ننتج طاقة مستدامة، نظيفة، وقادرة على تأمين المستقبل بشكل كبير بعيداً عن الأزمات؟

إن كانت قمم المناخ قد أسهمت في رفع الوعي العالمي، فإن هذا ليس كافياً بدرجة كبيرة، وللعلم تسهم الولايات المتحدة الأميركية والصين بنحو أكثر من 40% من إجمالي الانبعاثات الكربونية في العالم، وذلك وفقاً لبيانات مشروع الكربون العالمي.

بعد أكثر من ثلاثة عقود من قمم الأرض، لم يفشل العالم في حل أزمة المناخ فقط، بل نجح في تأجيلها حتى أصبحت أكثر تعقيداً وخطورة، حتى الآن ما زالت أغلب مصادر الطاقة العالمية مصادر تقليدية تعتمد على الوقود الأحفوري، وفقاً لتقارير وكالة الطاقة الدولية ومراجعة الطاقة العالمية، وهناك مخاطر متعددة مرتبطة بذلك.

أولها المخاطر المرتبطة بسلاسل الإمداد، وتُعد الأزمة الحالية أحد أهم نماذجها، وهناك مخاطر أخرى وهي نضوب الطاقة نفسها.

وفقاً لتقارير وكالة الطاقة الدولية، فإن العالم يستهلك تقريباً 37 مليار برميل نفط سنوياً، وتشير الكثير من التقديرات، ومع ثبات عوامل الاكتشافات، أن النفط قد يواجه خطر النفاد خلال 6 عقود على أفضل تقدير.

ويرى الكثير أن الرأسمالية بشكلها الحالي تشجع وتركز فقط على عامل الربحية وزيادة الإنتاج، مع إغفال أي عوامل إنسانية أخرى قدر الممكن، وبالتالي فإن إغفال ملفات التنمية المستدامة قد يكون أحد أوجه الرأسمالية الخفية، ولذلك لا بد من رفع الاستثمار في الطاقة النظيفة بدل الاستنزاف في الوقود التقليدي.

حلول الطاقة المتجددة

وهناك العديد من الدراسات أكدت أنه بحلول عام 2050، من المتوقع أن يوفر التحول إلى الطاقة النظيفة على العالم أكثر من 12 تريليون دولار، وذلك وفقاً للوكالة الدولية للطاقة المتجددة، ولكن تبقى المعضلة الرئيسية أن الطاقة النظيفة توفر الكثير في المستقبل، ولكن في الوقت الراهن تظل لها تكلفة كبيرة، وتظل محصورة بين الدول المتقدمة أو بعض الدول النامية، فهناك دول كثيرة لا تتحمل تكلفة الاستثمار في البنية التحتية للطاقة النظيفة حالياً، والانتظار لجني العائد في المستقبل، وأعتقد أن هذا السبب من أهم الأسباب التي تبطئ جهود الاستدامة.

لا بد من اعتماد التكنولوجيا الرخيصة لإحلال الطاقة النظيفة محل الطاقة التقليدية، على سبيل المثال يمكن بحث كيفية تقليل تكلفة إنتاج ألواح الطاقة الشمسية للتوسع في استخدامها، ويمكن فرض رسوم على الأنشطة الكربونية على أن تخصص لصالح الطاقة النظيفة.

الدنمارك والطاقة النظيفة

في الدنمارك تشكل طاقة الرياح مع الطاقة الحيوية والطاقة الشمسية أكثر من 80% من مزيج الكهرباء في البلاد، كما أنها نجحت في تقليل اعتمادها على الوقود الأحفوري بشكل كبير، حيث انخفض من نحو 75% إلى نحو 53% خلال العقد الأخير وذلك وفقاً لوكالة الطاقة الدولية (IEA – International Energy Agency).

وهنا يجب تسليط الضوء على تجربة الدنمارك في الانتقال إلى الطاقة النظيفة وأنها ليست مجرد خيار بيئي، بل هي نموذج اقتصادي ناجح يعيد تشكيل مستقبل الطاقة عالمياً ويمكن تصديره لكثير من دول العالم.

صحيح أنه ليست كل أفكار الطاقة النظيفة يمكن تعميمها، فمثلاً توليد الطاقة عن طريق الهيدروجين الأخضر يتم عن طريق فصل الهيدروجين عن الأكسجين في الماء، حيث يتم الحصول على كهرباء من مصادر متجددة، فننتج طاقة دون انبعاث ثاني أكسيد الكربون، وبالتالي طاقة نظيفة تسهم في تحقيق التنمية المستدامة، ويمكن القول إن العالم يحتاج إلى الاستثمار العاجل في جميع مجالات الطاقة النظيفة، ولكن في الوقت نفسه نجد أن الهيدروجين الأخضر يحتاج إلى استثمارات ضخمة، ولذلك لا بد من تحرك دولي بفعالية نحو التحول إلى الطاقة المستدامة بشكل يضمن جودة الحياة في العالم.

في النهاية، يجب زرع ثقافة كفاءة استخدام الطاقة وحوكمة الموارد في المجتمعات العربية، بداية من استخدام المياه وحتى الموارد المالية، كما أثبتت أزمة الحرب الحالية أن «الابتكار الحكومي» هو المورد الأغلى للدول في أوقات الشلل الاقتصادي. وأن التحول من الاقتصاد التقليدي إلى اقتصاد المعرفة والابتكار أصبح ضرورة وجودية، كما أعتقد أن أمن الطاقة لم يعد مجرد مصطلح، بل أصبح ركيزة أساسية للاستقرار السياسي والاجتماعي، وأن ما نعيشه يعد اختباراً حاسماً لقدرة العالم على البقاء في العصر الحالي.

فالدول التي تملك مصادر طاقة مستقرة ومتنوعة، تملك في الواقع قدرة أكبر على الصمود أمام الأزمات العالمية والتقلبات الجيوسياسية، وأن ما حدث في أزمة مضيق هرمز الحالية قد يكون «نقطة فاصلة» في تاريخ الطاقة العالمية، حيث لم يعد الاعتماد على مصدر واحد كافياً، بل أصبح التنوع بين الطاقة التقليدية والمتجددة هو الضمان الحقيقي من أجل استقرار الاقتصاد وشكل الحياة اليومية.

تم إعداد هذه المقالة لصالح CNN الاقتصادية، والآراء الواردة فيها تمثّل آراء الكاتب فقط ولا تعكس أو تمثّل بأي شكل من الأشكال آراء أو وجهات نظر أو مواقف شبكة CNN الاقتصادية.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى