

تخطى الرهان الأميركي على الذكاء الاصطناعي ميزانيات شركات التكنولوجيا العملاقة، ليمتد إلى أسواق السندات وصناديق التقاعد وشركات التأمين، في تحول قد يجعل مدخرات ملايين الأفراد مصدراً لتمويل واحدة من أكبر موجات الاستثمار في البنية التحتية بتاريخ الولايات المتحدة.
قد تتطلب البنية التحتية الأميركية للذكاء الاصطناعي استثمارات بنحو 10.3 تريليون دولار خلال ثماني سنوات، بينما تتزايد مساهمة المقترضين والمستثمرين المؤسسيين في تمويل المشروعات، وسط تساؤلات بشأن قدرتها على توليد عوائد تغطي تكاليف التمويل المتصاعدة، بحسب تحليل نشرته فايننشال تايمز في 22 أكتوبر تشرين الأول.
أكبر موجة استثمارية في التاريخ الأميركي
تستند تقديرات الاستثمار البالغة 10.3 تريليون دولار إلى دراسة أعدها الاقتصادي ستين فان نيويربورغ، من جامعة كولومبيا، ونشرها معهد بروكينغز، وتشمل الفترة من 2025 إلى 2032.
وتعادل الاستثمارات المتوقعة 3.63% من الناتج المحلي الإجمالي الأميركي سنوياً، متجاوزة الحصة النسبية لموجات الاستثمار التاريخية في السكك الحديدية والطرق السريعة والاتصالات.
لكن الرقم يمثل سيناريو للاحتياجات الرأسمالية المتوقعة، وليس إنفاقاً منفذاً أو تمويلاً مضموناً، وفق بروكينغز.
من أرباح التكنولوجيا إلى أسواق الدين
اعتمدت شركات مثل مايكروسوفت وأمازون وألفابت وميتا سابقاً على تدفقاتها التشغيلية لتمويل التوسع، لكن تسارع الإنفاق على الرقائق ومراكز البيانات وشبكات الكهرباء دفعها بصورة متزايدة نحو السندات والقروض والتأجير طويل الأجل والشراكات الاستثمارية.
ووفق بيانات مورغان ستانلي المنشورة في أكتوبر، بلغ إصدار الديون المرتبطة بالذكاء الاصطناعي نحو 466 مليار دولار منذ بداية 2026 حتى الفترة التي شملتها البيانات، مقابل 101 مليار دولار في الفترة المقابلة من 2025.
وحذّر بنك التسويات الدولية في يناير كانون الثاني من أن استدامة التحول نحو التمويل بالدين تعتمد على تحقيق الشركات توقعات الأرباح المرتفعة.
صناديق التقاعد والتأمين تدخل دائرة المخاطر
تشتري شركات التأمين وصناديق التقاعد السندات طويلة الأجل بحثاً عن عوائد تساعدها على الوفاء بالتزاماتها المستقبلية، ما يجعلها مصدراً مهماً لتمويل البنية التحتية الرقمية.
واستوعبت شركات التأمين بالفعل كميات كبيرة من سندات مراكز البيانات، فيما تتوسع صناديق الائتمان الخاص في تقديم تمويلات مضمونة بالأصول وعقود العملاء، حسب ما ذكرت رويترز بريكينغفيوز في سبتمبر أيلول.
وتنتقل المخاطر إلى المدخرين بصورة غير مباشرة عبر محافظ التقاعد والتأمين والصناديق الاستثمارية، سواء من انخفاض أسعار السندات أو تعثر بعض المشروعات، ولا يعني ذلك تعرض جميع المدخرات للخطر بالدرجة نفسها.
اختبار مالي: كم يحتاج مركز بيانات بقيمة 10 مليارات دولار؟
يقول خبراء الأسواق إنه لقياس حساسية الاستثمار لتكاليف الاقتراض، يفترض نموذج تحليلي مشروعاً بقيمة 10 مليارات دولار، يمول 60% منها بالدين و40% بحقوق الملكية.
ويفترض النموذج سداد القرض بأقساط سنوية متساوية خلال عشر سنوات، ونسبة تغطية لخدمة الدين تبلغ 1.25 مرة، وهامش تدفقات نقدية تشغيلية متاحة للسداد قدره 40% من الإيرادات.
الإيرادات السنوية المطلوبة عند تغير الفائدة
وتظهر الحسابات أن ارتفاع تكلفة التمويل من 6% إلى 10% يرفع الحد الأدنى للإيرادات السنوية المطلوبة بنحو 504 ملايين دولار، أي قرابة 20%، لمجرد الحفاظ على هامش الأمان الائتماني المفترض.
ولا تشمل هذه الإيرادات عائداً مستهدفاً للمساهمين، كما أن خدمة الدين وحدها لا تكفي للحكم على الربحية، فالمشروع مطالب أيضاً بتغطية الإهلاك، خصوصاً أن المعالجات المتخصصة قد تفقد جزءاً كبيراً من قيمتها الاقتصادية قبل انتهاء عمر المباني والبنية التحتية.
فجوة الإيرادات ومخاطر تقادم الرقائق
تتمثل المعضلة في اختلاف الأفق الزمني بين القروض طويلة الأجل ودورات تطوير معالجات الذكاء الاصطناعي القصيرة نسبياً.
وقد حذّرت وكالة ستاندرد آند بورز غلوبال، من احتمال وجود ديون مرتبطة بالذكاء الاصطناعي لدى الشركات العملاقة أكبر مما تكشفه البيانات المتاحة، مع اعتماد جودة الائتمان مستقبلاً على تحقق الأرباح المنتظرة، وفق رويترز في 19 أكتوبر تشرين الأول.
وتتجسد المخاطر بالفعل في شركة كور ويف، التي بلغت ديونها نحو 50 مليار دولار، وفق بيانات مجموعة بورصة لندن (LSEG) التي نقلتها رويترز في 16 أكتوبر تشرين الأول، بينما وصلت عوائد بعض سنداتها إلى نحو 15%–16%، في إشارة إلى ارتفاع علاوة المخاطر المطلوبة من المستثمرين.
هل يتحول رهان التكنولوجيا إلى مخاطر مالية أوسع؟
حذّر بنك إنجلترا في تقرير الاستقرار المالي الصادر في يوليو من أن تزايد الاقتراض لتمويل الذكاء الاصطناعي قد ينقل صدمات القطاع إلى ظروف الائتمان العالمي، رغم بقاء المخاطر المباشرة تحت السيطرة حتى ذلك الحين.
وبحسب خبراء أسواق المال فإن الخطر لا يقتصر على احتمال تعثر المقترضين، بل يشمل تراجع أسعار الأصول، وزيادة تكلفة التمويل، وتداخل الالتزامات بين شركات التكنولوجيا والمقرضين والمستثمرين المؤسسيين.
ويقول الخبراء إن نجاح طفرة الذكاء الاصطناعي لن يتوقف على حجم الاستثمارات المعلنة، بل على قدرة مراكز البيانات على توليد تدفقات نقدية مستدامة قبل أن تستحق الديون أو تتقادم المعدات، أما بالنسبة للمدخرين، فالسؤال الأهم ليس فقط مقدار العائد المنتظر، وإنما حجم المخاطر التي يتحملونها من دون استثمار مباشر في القطاع.




