شؤون عربية ودولية

بريطانيا.. لماذا أصبح النمو الاقتصادي مهمة صعبة؟ : CNN الاقتصادية



رغم احتضانها أحد أكبر المراكز المالية العالمية وامتلاكها قطاعات متقدمة في التكنولوجيا والخدمات، تواجه بريطانيا معضلة اقتصادية متزايدة: نمو محدود، وتضخم أعلى من المستهدف، وضغوط على سوق العمل والمالية العامة. فهل تعاني البلاد من أزمة عابرة أم من خلل اقتصادي تراكم على مدى سنوات؟

في لندن، لا تبدو علامات القوة الاقتصادية غائبة. ناطحات السحاب في الحي المالي، والبنوك العالمية، وشركات التكنولوجيا، والأسواق المالية التي تتحرك فيها مليارات الجنيهات يومياً، جميعها تذكّر بمكانة بريطانيا باعتبارها واحدة من أهم القوى الاقتصادية في العالم.

لكن خلف هذه الصورة، يواجه الاقتصاد البريطاني واقعاً أكثر تعقيداً.

فالأسر لا تزال تعاني من ارتفاع تكاليف المعيشة، والشركات تواجه ضغوطاً متزايدة على نفقاتها، بينما يجد بنك إنجلترا نفسه أمام خيارات صعبة بين دعم النمو والسيطرة على التضخم.

وفي الوقت نفسه، تحاول الحكومة تمويل خدمات عامة مكلفة، وإدارة مستويات مرتفعة من الدين، وتحفيز الاستثمار، دون أن تثير مخاوف الأسواق بشأن استدامة المالية العامة.

هذه التحديات ليست منفصلة، بل تشكل حلقة اقتصادية متشابكة: ارتفاع التكاليف يضغط على الاستهلاك والاستثمار، وضعف النمو يحد من الإيرادات الضريبية، بينما تضيق الضغوط المالية قدرة الحكومة على التدخل لتحفيز النشاط الاقتصادي.

اقتصاد قوي على الورق.. لكن النمو لا يكفي

سجل الاقتصاد البريطاني نمواً بنسبة 0.5% خلال الربع الثاني من عام 2026، بعد نمو بلغ 0.6% في الربع الأول، وفق مكتب الإحصاءات الوطنية.

وعلى أساس سنوي، نما الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 1.4% في الربع الثاني.

ورغم أن هذه الأرقام لا تشير إلى ركود اقتصادي، فإنها تعكس نمواً لا يكفي وحده لمعالجة التحديات التي تراكمت خلال السنوات الماضية.

وتوقع مكتب مسؤولية الميزانية البريطاني، في تقديراته الصادرة في مارس 2026، تباطؤ النمو السنوي إلى 1.1% خلال العام، قبل أن يتحسن إلى متوسط يبلغ 1.6% سنوياً بين عامي 2027 و2030.

لكن السؤال الأهم لا يتعلق فقط بسرعة نمو الناتج المحلي، بل بمدى انعكاس هذا النمو على إنتاجية الشركات ودخول الأفراد ومستويات المعيشة.

فقد تستطيع دولة تحقيق نمو اقتصادي من خلال زيادة عدد العاملين أو السكان، دون أن تحقق تحسناً مماثلاً في الإنتاج لكل عامل.

وهنا تظهر إحدى أبرز المشكلات البريطانية: ضعف نمو الإنتاجية.

فعندما لا تستطيع الشركات إنتاج المزيد باستخدام الموارد والوقت نفسيهما، تصبح قدرتها على رفع الأجور دون زيادة الأسعار محدودة، كما تتراجع فرص تحقيق نمو اقتصادي مستدام.

وتزداد أهمية هذه المشكلة في اقتصاد يعتمد بصورة كبيرة على الخدمات، ويحتاج إلى استثمارات مستمرة في التكنولوجيا والمهارات والبنية التحتية لرفع كفاءة العاملين.

التضخم.. عندما تصبح الأسعار عقبة أمام التعافي 

في أغسطس 2026، بلغ معدل التضخم السنوي في بريطانيا 3.1%، مقارنة بالمستهدف الرسمي لبنك إنجلترا البالغ 2%.

ورغم ابتعاد التضخم عن المستويات الاستثنائية التي شهدتها البلاد خلال أزمة الأسعار السابقة، فإن بقاءه فوق المستهدف يعكس استمرار الضغوط على الاقتصاد.

والأهم أن انخفاض معدل التضخم لا يعني بالضرورة انخفاض الأسعار.

فإذا تباطأ التضخم من 10% إلى 3%، فإن الأسعار لا تعود تلقائياً إلى مستوياتها السابقة، بل تستمر في الارتفاع ولكن بوتيرة أبطأ.

وهذا ما يفسر شعور كثير من الأسر بأن تكلفة الحياة لا تزال مرتفعة حتى عندما تشير البيانات إلى تحسن التضخم.

وتؤثر الأسعار المرتفعة في الاقتصاد عبر مسارين متوازيين.

الأول هو تراجع القوة الشرائية، إذ تضطر الأسر إلى تخصيص حصة أكبر من دخولها للإنفاق على الاحتياجات الأساسية، ما يترك مساحة أقل للإنفاق على السلع والخدمات الأخرى.

أما الثاني فهو ارتفاع تكاليف الشركات، خصوصاً في القطاعات التي تعتمد على الطاقة والنقل والعمالة.

وعندما تحاول الشركات تمرير هذه الزيادات إلى المستهلكين، تتجدد الضغوط التضخمية، بينما قد يؤدي امتصاصها من الأرباح إلى تقليص قدرتها على الاستثمار والتوسع.

الطاقة.. أزمة عالمية بتكلفة بريطانية

تمثل الطاقة إحدى أبرز نقاط الضعف التي تواجه الاقتصاد البريطاني.

فالمملكة المتحدة تمتلك موارد محلية من النفط والغاز، لكنها تظل مرتبطة بأسواق الطاقة العالمية، ما يجعل أسعار الغاز والكهرباء عرضة للتقلبات الخارجية.

وقد زادت اضطرابات إمدادات الطاقة المرتبطة بالصراع المستمر في الشرق الأوسط خلال عام 2026 من تعقيد المشهد.

وفي اجتماعه خلال سبتمبر، أشار بنك إنجلترا إلى أن استمرار الصراع أدى إلى ارتفاع أسعار النفط والمنتجات النفطية، مع توقعات بمزيد من الضغوط التضخمية خلال الفصول المقبلة.

ولا يقتصر أثر ارتفاع أسعار الطاقة على فواتير المنازل.

فالشركات الصناعية تحتاج إلى الكهرباء والغاز لتشغيل المصانع، وقطاع النقل يتأثر بأسعار الوقود، كما تدخل الطاقة بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تكلفة إنتاج الغذاء والسلع والخدمات.

وبالتالي، فإن ارتفاع أسعار الطاقة يمكن أن يضغط على الاقتصاد من جهتين: زيادة تكاليف الإنتاج وتقليص قدرة المستهلكين على الإنفاق.

وتصبح المشكلة أكثر تعقيداً عندما تواجه الشركات البريطانية منافسين في دول تتمتع بتكاليف طاقة أقل، إذ قد يؤدي هذا الفارق إلى تراجع جاذبية بعض الاستثمارات الصناعية.

وهكذا تتحول الطاقة من مسألة مرتبطة بالتضخم إلى عامل مؤثر في القدرة التنافسية للاقتصاد البريطاني على المدى الطويل.

بنك إنجلترا أمام معادلة صعبة

عادة ما تلجأ البنوك المركزية إلى خفض أسعار الفائدة عندما يتباطأ النمو الاقتصادي، بهدف تشجيع الاقتراض والاستهلاك والاستثمار.

لكن الوضع البريطاني لا يسمح بمثل هذا القرار بسهولة.

فالتضخم لا يزال أعلى من المستهدف، وأسعار الطاقة تضيف مخاطر جديدة، بينما يشير سوق العمل إلى تراجع الطلب على الموظفين.

وفي سبتمبر 2026، قرر بنك إنجلترا تثبيت سعر الفائدة عند 3.75%، بأغلبية ستة أعضاء مقابل ثلاثة فضّلوا رفعها إلى 4%.

ويكشف هذا الانقسام داخل لجنة السياسة النقدية حجم المعضلة التي تواجه البنك.

فخفض الفائدة بسرعة قد يدعم الشركات والمستهلكين، لكنه قد يزيد مخاطر استمرار التضخم.

وفي المقابل، فإن الإبقاء على الفائدة مرتفعة لفترة طويلة يرفع تكلفة التمويل العقاري وقروض الشركات، وقد يؤدي إلى تأجيل الاستثمارات وتراجع الإنفاق.

ويعني ذلك أن البنك المركزي لا يواجه مشكلة اقتصادية واحدة، بل هدفين يصعب تحقيقهما في الوقت نفسه: إعادة التضخم إلى 2%، ومنع الاقتصاد من فقدان المزيد من الزخم.

البطالة.. هل بدأت الشركات البريطانية تتراجع عن التوظيف؟

تظهر الضغوط الاقتصادية أيضاً في سوق العمل.

فقد بلغ معدل البطالة البريطاني 4.9% خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في يوليو 2026، وفق مكتب الإحصاءات الوطنية.

لكن هذا الرقم لا يروي القصة كاملة.

فالتقديرات الأولية أظهرت انخفاض عدد الموظفين المسجلين في كشوف الرواتب بنسبة 0.5% خلال الاثني عشر شهراً المنتهية في أغسطس.

كما تراجع عدد الوظائف الشاغرة إلى نحو 702 ألف وظيفة خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في أغسطس، وهو أدنى مستوى منذ الفترة الممتدة بين فبراير وأبريل 2021.

وتشير هذه البيانات إلى أن الشركات أصبحت أكثر حذراً في التوظيف، حتى إن لم تلجأ جميعها إلى تسريح أعداد كبيرة من العاملين.

وقد تختار الشركات عدم تعويض الموظفين الذين يغادرون، أو تأجيل التوسع، أو تقليص خطط التوظيف الجديدة، بدلاً من تنفيذ موجات تسريح واسعة.

وهذا النوع من التباطؤ قد ينعكس تدريجياً على الأجور والاستهلاك وثقة الأسر.

كما أن ضعف سوق العمل يضع بنك إنجلترا أمام تحدٍ إضافي: استمرار السياسة النقدية المشددة قد يساعد في خفض التضخم، لكنه قد يزيد الضغوط على التوظيف.

الضرائب والديون.. لماذا لا تستطيع الحكومة إنفاق المزيد ببساطة؟

إذا كان الاقتصاد يحتاج إلى التحفيز، فقد يبدو الحل المباشر هو زيادة الإنفاق الحكومي أو تخفيض الضرائب.

لكن المالية العامة البريطانية لا تمنح الحكومة مساحة واسعة للتحرك دون تكلفة.

فبحسب مكتب الإحصاءات الوطنية، بلغ صافي اقتراض القطاع العام 77.3 مليار جنيه إسترليني خلال السنة المالية حتى أغسطس 2026، بزيادة قدرها 8.1 مليار جنيه عن توقعات مكتب مسؤولية الميزانية الصادرة في مارس.

وتعني زيادة الاقتراض أن الحكومة تحتاج إلى إصدار المزيد من أدوات الدين، أو إيجاد مصادر إيرادات إضافية، أو إعادة ترتيب أولويات الإنفاق.

وفي الوقت نفسه، فإن ارتفاع عوائد السندات الحكومية يزيد تكلفة خدمة الدين، ما يستهلك جزءاً من الموارد التي كان يمكن تخصيصها للاستثمار أو الخدمات العامة.

وتواجه الحكومة ضغوطاً متزامنة لتمويل الصحة والتعليم والبنية التحتية والدفاع، إلى جانب الالتزامات المرتبطة بالمعاشات والحماية الاجتماعية.

أما زيادة الضرائب، فقد توفر إيرادات إضافية للخزانة، لكنها قد تؤثر أيضاً في قدرة الأسر على الاستهلاك وحوافز الشركات على الاستثمار، بحسب طبيعة الضرائب وتصميمها.

وهنا تكمن المعضلة: تحتاج بريطانيا إلى الاستثمار لتحسين النمو، لكنها تحتاج أيضاً إلى إقناع المستثمرين بأن مسار ديونها قابل للاستمرار.

السياسة والاقتصاد.. عندما يصبح عدم اليقين تكلفة إضافية

لا تقتصر تحديات بريطانيا على المؤشرات الاقتصادية، إذ تلعب البيئة السياسية دوراً مهماً في قرارات المستثمرين.

فالشركات التي تخطط لإنشاء مصنع أو مركز تكنولوجي أو توسيع عملياتها تحتاج إلى رؤية واضحة بشأن الضرائب والطاقة والتنظيمات التجارية وسوق العمل.

وعندما تتغير السياسات بصورة متكررة أو تزداد الخلافات حول أولويات الإنفاق والضرائب، يصبح من الأصعب تقدير العائد المتوقع من الاستثمارات طويلة الأجل.

ولا يعني ذلك أن الخلاف السياسي يؤدي تلقائياً إلى هروب الاستثمارات، لكن عدم وضوح السياسات قد يدفع بعض الشركات إلى تأجيل قراراتها.

وتبرز هذه المشكلة بصورة خاصة في القطاعات التي تحتاج إلى استثمارات ضخمة تمتد لسنوات، مثل الطاقة والصناعة والبنية التحتية.

كما أن تجربة بريكست لا تزال حاضرة في المشهد الاقتصادي البريطاني.

فبعد عشر سنوات من استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي، ما زالت الشركات تتعامل مع آثار التغيرات في العلاقات التجارية والتنظيمية مع أكبر سوق مجاورة لبريطانيا.

ويقدر مكتب مسؤولية الميزانية أن العلاقة التجارية الجديدة مع الاتحاد الأوروبي ستؤدي إلى خفض الإنتاجية البريطانية على المدى الطويل بنحو 4% مقارنة بسيناريو استمرار العضوية.

وهذا لا يعني أن الإنتاجية انخفضت فعلياً بنسبة 4%، بل أن مستواها المتوقع سيكون أقل مما كان يمكن أن يبلغه الاقتصاد في السيناريو المقارن.

وتضاف هذه التكلفة الهيكلية إلى عوامل أخرى، مثل ضعف الاستثمار وتباطؤ الإنتاجية والضغوط الديموغرافية.

هل المشكلة في الأزمات العالمية أم في الاقتصاد البريطاني نفسه؟

قد يكون من السهل تفسير الضغوط الاقتصادية البريطانية بالحروب وارتفاع أسعار الطاقة والتضخم العالمي.

فهذه الصدمات تؤثر في اقتصادات عديدة، ولا تقتصر على المملكة المتحدة.

لكنها لا تفسر وحدها لماذا يواجه الاقتصاد البريطاني صعوبة في تحقيق نمو قوي ومستدام.

فضعف الإنتاجية والاستثمار، وتحديات البنية التحتية، والاحتكاكات التجارية بعد بريكست، جميعها عوامل تراكمت على مدى سنوات.

وتشير توقعات مكتب مسؤولية الميزانية إلى أن نمو الإنتاجية سيكون عاملاً حاسماً في مستقبل المالية العامة.

ففي سيناريو ينمو فيه معدل الإنتاجية بنسبة 0.5% سنوياً بدلاً من المعدل الأعلى المفترض، قد يرتفع الاقتراض الحكومي بنحو 40 مليار جنيه في السنة المالية 2030–2031، مقارنة بالتوقعات الأساسية.

وفي المقابل، فإن تحقيق نمو أسرع في الإنتاجية قد يحسن الإيرادات العامة ويخفف الضغوط على الدين، دون الحاجة بالضرورة إلى رفع الضرائب بالمقدار نفسه.

وهنا تظهر أهمية الاستثمار في المهارات والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والبنية التحتية، إلى جانب إصلاحات التخطيط وتطوير أسواق العمل والطاقة.

فالمطلوب ليس فقط زيادة الإنفاق، بل تحسين قدرة الاقتصاد على إنتاج قيمة أكبر من الموارد المتاحة.

هل تستطيع بريطانيا استعادة النمو؟

رغم كل هذه التحديات، لا تزال بريطانيا تمتلك مقومات اقتصادية مهمة.

فهي مركز عالمي للخدمات المالية، وتضم جامعات ومؤسسات بحثية متقدمة، وتتمتع بقطاعات قوية في التكنولوجيا والخدمات المهنية والصناعات المتخصصة.

كما أن اقتصادها لا يزال قادراً على جذب الاستثمارات والمواهب والشركات الدولية.

لكن الحفاظ على هذه المزايا لن يكون كافياً إذا لم تنعكس على نمو الإنتاجية وارتفاع الدخول وتحسن القدرة التنافسية.

وقد تساعد عودة الاستقرار إلى أسواق الطاقة وتراجع التضخم في تخفيف الضغوط قصيرة الأجل، ما يمنح بنك إنجلترا مساحة أكبر لتعديل السياسة النقدية.

إلا أن معالجة المشكلات الهيكلية ستحتاج إلى وقت أطول وإصلاحات تتجاوز قرارات الفائدة والموازنة السنوية.

فبريطانيا لا تواجه فقط تحدي جعل الحياة أقل تكلفة، بل تحدي بناء اقتصاد أكثر قدرة على النمو.

وبين ضغوط التضخم والديون وضعف الاستثمار، يبقى السؤال الذي سيحدد مستقبل الاقتصاد البريطاني خلال السنوات المقبلة:

هل تستطيع البلاد استعادة النمو المستدام من دون إعادة النظر في نموذجها الاقتصادي وإجراء إصلاحات عميقة؟

(CNN  الاقتصادية)

 



Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى