

غير أنه في الأيام التي سبقت هذا المنشور وتلته، توالت تصريحات ترامب الصادمة والمثيرة للذهول للكثير، ولا سيما تصريحه الذي لوّح فيه باحتمالية قطع شتى أشكال التبادل التجاري مع العشرات من شركاء الولايات المتحدة التجاريين. وقد دفعت هذه المواقف العديد من الخبراء إلى التشكيك ليس في رجاحة منطقه فحسب، بل في ما إذا كان هو والسياسات الجامحة التي يطرحها يمثلون خطراً داهماً ومباشراً على الاقتصادين الأميركي والعالمي على حد سواء. كما تراجعت ثقة الرأي العام في بصيرته الاقتصادية إلى مستويات متدنية للغاية؛ إذ أظهر استطلاع رأي حديث لصحيفة وول ستريت جورنال أن 7% فقط من الأميركيين يرون أنه مؤهل لقيادة تنظيم قطاع الذكاء الاصطناعي وتأطيره.
تصريحات أثارت قلق الاقتصاديين
أثارت عبارتان لترامب قلقاً بالغاً لدى الاقتصاديين والرؤساء التنفيذيين للشركات على وجه الخصوص؛ الأولى حين كتب عبر «تروث سوشيال»: «سأوقف التجارة مع الدول التي نسجل معها عجزاً» إذا لم يُقدم الاحتياطي الفيدرالي على خفض أسعار الفائدة.
أما العبارة الثانية الأشد إثارة للقلق فكانت: «إذا أوقفنا التجارة مع كل دولة لدينا معها عجز —وهي الأغلبية الساحقة— فسنحقق أرباحاً لا تقل عن 1.5 تريليون دولار سنوياً».
ولا تقتصر المعضلة هنا على عدم صحة الحسابات الاقتصادية لترامب فحسب، بل إن مبادئ علم الاقتصاد تقول إن قيام دولة تعتمد بنيوياً على التجارة مثل الولايات المتحدة بقطع تعاملاتها فجأة مع عشرات الدول سيقود حتماً إلى كارثة اقتصادية محققة. والأدهى من ذلك نزعة ترامب المقلقة لرؤية نفسه «مالكاً مطلق الصلاحيات» يمتلك سلطة تجميد تجارة دولية تُقدر بمئات المليارات من الدولارات بقرار منفرد ومن غير العودة للكونغرس الأميركي.
ولو فعلاً أصدر ترامب أمراً بإنهاء التجارة مع كافة الأطراف التي تسجل واشنطن معها عجزاً تجارياً —بما فيها الصين، والمكسيك، وتايوان، والاتحاد الأوروبي— لوجدت قطاعات التصنيع الأميركية نفسها في مأزق خانق، وعاجزة عن تأمين احتياجاتها الحيوية من الرقائق الإلكترونية، والمعادن النادرة، وقطع غيار السيارات، والألومنيوم، وغيرها الكثير، ما سيجبر العديد من المصانع على الإغلاق التام، يضاف إلى ذلك تعطل القطاع الزراعي لاستحالة استيراد الأسمدة الأساسية، وتوقف مشاريع البناء والتشييد لعجزها عن استيراد الأخشاب والمواد الإنشائية اللازمة.
صِدام مع السياسة النقدية
لم تكن تلك التصريحات الاستثناء الوحيد في خطابه الأخير؛ فقبل يومين فقط من قيام بنك الاحتياطي الفيدرالي برفع أسعار الفائدة قصيرة الأجل إلى نطاق يتراوح بين 3.75% و4% لكبح جماح التضخم، شن ترامب هجوماً عنيفاً ومارس ضغوطاً علنية على البنك المركزي، مطالباً إياه ليس بالامتناع عن رفع الفائدة فحسب، بل بخفضها خفضاً حاداً، قائلاً: ينبغي أن تكون الفائدة عند 1% أو نصف بالمئة
ومرة أخرى، يعلم كل من يمتلك إلماماً ولو حتى أولياً بالاقتصاد أن خفض الفائدة إلى هذه المستويات المتدنية سيدفع الأسعار نحو مستويات قياسية في وقت يرى فيه المستهلكون والبنك المركزي بالفعل أن التضخم مرتفع بما يكفي. والمفارقة هنا تكمن في أن ترامب نفسه هو من قطع عهداً للناخبين بخفض الأسعار منذ اليوم الأول لتوليه الرئاسة
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل أطلق ادعاءً خيالياً حين صرح بأنه في حال خضع الفيدرالي لمطالبه وخفض الفائدة، فإن «معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي قد يصل إلى 14% و15% و16% بل و20%»
بالطبع هذه الأرقام خيالية وتجافي الواقع الاقتصادي؛ فبالنظر إلى أن الاقتصاد الأميركي نما بمعدل معتدل بلغ 2.2% في الربع الثاني من هذا العام، ونادراً ما يتجاوز حاجز الـ5%، فإن الحديث عن نمو بنسبة 20% يدخل في باب الأوهام المحضة. وتاريخياً، لم يسجل الاقتصاد الأميركي نمواً بمعدل 20% أو أكثر سوى مرة واحدة منذ الحرب العالمية الثانية، وكان ذلك في الربع الثالث من عام 2020 نتيجة ظروف استثنائية، حين تسابقت الأنشطة التجارية لإعادة الفتح بعد الإغلاق القسري الناجم عن الجائحة في الربع السابق له (والذي شهد حينها انكماشاً للناتج المحلي بمعدل 28%)
الفهم المبسط لمنظومة التجارة الدولية
لقد تعثر مجدداً في طرحه الخاطئ لأساسيات التجارة، إذ زعم أن «كلمة ‘عجز’ ليست سوى مصطلح منمق للإشارة إلى الخسارة». وأتبع ذلك بتصور واهمٍ مفاده أن الولايات المتحدة ستصبح -وكأنما بفعل السحر- أكثر ثراءً بمقدار 1.5 تريليون دولار لو أنها توقفت عن التبادل التجاري مع كل دولة تسجل معها عجزاً تجارياً.
لنفترض أن الولايات المتحدة اشترت من فرنسا نبيذاً بقيمة ملياري دولار، بينما اشترت فرنسا من الولايات المتحدة رقائق بقيمة مليار دولار. يظهر في هذه الحالة عجز تجاري أميركي مع فرنسا بقيمة مليار دولار في هذا المثال. لكن الولايات المتحدة لم تفقد المليار؛ فقد حصل المستهلكون والشركات فيها على سلع اختاروا شراءها، بينما حصلت فرنسا على منتجات أميركية ومدفوعات مرتبطة بها!
يرى ترامب في ذلك بصورة مربكة «خسارة صريحة»، عاجزاً عن إدراك أن هذا المليار ليس خسارة ضارة، بل يمثل قيمة سلع وبضائع فاخرة حصل عليها الأميركيون واستهلكوها، وهو ما يراه المستهلك في السوق مكسباً وقيمة حقيقية، لا خسارة بأي مقياس.
هوس الرسوم الجمركية: كندا نموذجاً: حين تصبح التجارة خسارة والرسوم انتصاراً
إن المخاطرة بعلاقة تجارية عملاقة تقارب التريليون دولار من أجل عجز هامشي لا يتجاوز 3% من إجمالي التبادل التجاري يراها الكثير من الاقتصاديين تعكس جهلاً مطبقاً بآليات تكامل سلاسل الإمداد عبر الحدود، وتثبت كيف يمكن للهوس بمصطلح «العجز التجاري» أن يدمر شراكات استراتيجية لا غنى عنها للاقتصاد الأميركي.
الخلاصة ورسالة للناخبين
ومن المهم أن يقيّم الناخبون هذه السياسات بناءً على نتائجها الاقتصادية المحتملة، لا على التصريحات والوعود وحدها. فالرسوم الجمركية والقيود التجارية قد تؤدي إلى ارتفاع بعض الأسعار، وتؤثر في معدلات النمو، وتزيد حالة عدم اليقين أمام الشركات والأسر. كما أن آثارها لا تقتصر على قطاع واحد، بل قد تمتد إلى الإنتاج، والاستثمار، وسلاسل الإمداد، والوظائف.
ويتحمل أعضاء الكونغرس، بمن فيهم حلفاء ترامب الجمهوريون، مسؤولية مناقشة هذه السياسات بصورة واضحة ومراجعة آثارها المتوقعة على الاقتصاد والأسر الأميركية. ومن المفيد أن يأخذ الناخبون هذه القضايا في الاعتبار عند تقييمهم للسياسات الاقتصادية والمرشحين خلال انتخابات التجديد النصفي المقبلة الشهر القادم.




