خريف العالم.. ربيع الإمارات : CNN الاقتصادية


مرّت أكثر من خمسة أسابيع على اندلاع الحرب الإيرانية في الثامن والعشرين من فبراير الماضي، تزايدت خلالها الضغوط على الاقتصاد العالمي؛ من اضطراب سلاسل الإمداد إلى تقلبات أسعار الطاقة وحركة التجارة، وبدأ العالم يقلب كفيه وهو يرى اقتصاده خاوياً على عروشه.
غير أن دولة الإمارات كعادتها لم تكن جزءاً من هذا المشهد المضطرب، بل قدّمت نموذجاً مغايراً لا ينجرف مع التيار، يشتبك مع العواصف بما تتمتّع به الدولة من قيادةٍ رشيدةٍ وإمكاناتٍ تعكسها أرقام لا تخطئها العين، لمَن كان بصيراً.
فلم يكن الرهان سهلاً في البداية، فالإمارات، التي طالتها اعتداءات إيرانية غاشمة بالصواريخ والمسيرات، بدت في تقديرات كثيرين أمام اختبار قاسٍ، لكن ما حدث كان نقيض تلك التوقعات، إذ نجحت في المضي قدماً لما تملكه من قدرات، محققة إنجازاً تلو الآخر، ومخيبة آمالَ مَن ظنوا سوءاً وملؤوا الفضاء نحيباً وشماتة.
منذ اللحظات الأولى للحرب، سادت نبرة قاتمة حول مستقبل الاستثمار والسياحة وأسواق العقار، غير أن الإمارات أبت أن تنصاع خلف هذه التوقعات التشاؤمية، فها هي وكالة «موديز» تعلن منذ أيام قليلة تثبيت التصنيف الائتماني لدولة الإمارات عند Aa2 مع نظرة مستقبلية مستقرة، في إشارة واضحة إلى ثقة المؤسسات الدولية بمتانة الاقتصاد الإماراتي واستدامة سياساته المالية على الرغم من التوترات الجيوسياسية.
وفي السياق ذاته، ثبتت وكالة «إس آند بي جلوبال» التصنيف السيادي للإمارات عند مستويات مرتفعة «1-AA/A+» للعملتين المحلية والأجنبية مع نظرة مستقبلية مستقرة، مستندة إلى قوة المركز المالي ووفرة الاحتياطيات، بما يعزّز ثقة المستثمرين ويكرّس صورة الإمارات كبيئة آمنة لرؤوس الأموال، لتحمل بذلك التصنيف الأعلى عربياً، وتتفوق على تصنيف دول كبرى مثل الصين وبلغاريا وتشيلي وكولومبيا وهنغاريا وآيسلندا.
ولم يكن ذلك معزولاً عن الواقع المصرفي، إذ أكد مسؤولو بنك «ستاندرد تشارترد» عدم تسجيل أي أثر جوهري للنزاع على المؤسسات المالية في الدولة.
ولم يكن هذا التقدم رقماً عابراً، بل جاء مدعوماً بنموٍ لافتٍ في التجارة الخارجية الإجمالية التي بلغت 6 تريليونات درهم في 2025، مقارنة بـ5.23 تريليون في 2024، بنمو يقارب 15%.
كما حققت تجارة الخدمات مستوى قياسياً عند 1.14 تريليون درهم، فيما قفزت تجارة السلع غير النفطية إلى 3.8 تريليون درهم بنمو سنوي تاريخي بلغ 27%، في تأكيدٍ واضحٍ على نجاح استراتيجية التنويع الاقتصادي.
واقتصادياً، تشير التقديرات إلى نمو الناتج المحلي الإجمالي للإمارات بنحو 5% خلال عام 2026، في أداءٍ يتجاوز المعدلات العالمية ويتفوق على كثيرٍ من الاقتصادات الكبرى، ولا يعكس هذا الرقم حظاً عابراً، فالقطاع غير النفطي بات يمثّل نحو 73% من الناتج المحلي الإجمالي، ما يعني أن الدولة بنت لنفسها حصانة تقلل اعتمادها على موارد الطاقة في أوقات الأزمات.
وقد تجلى ذلك عملياً حين أعلنت دبي حزمة دعم بمليار درهم لقطاع الأعمال تطبّق خلال ثلاثة إلى ستة أشهر، في استجابة سريعة وحاسمة تعكس عمق الأدوات المتاحة لدى صانع القرار حين يكون البنيان متيناً.
وكان المركزي الإماراتي قد سبق ذلك بحزمة دعم استباقية موجّهة للبنوك العاملة في الدولة لتعزيز سيولتها -القوية أصلاً- كذلك حافظ سوق العقارات الإماراتي على ثباته، إذ استمرت صفقات العقارات على الخريطة في دبي عند مستويات قياسية بلغت 6.26 مليار دولار، في إشارةٍ واضحةٍ إلى استمرار ثقة المستثمرين.
هذه الأرقام ليست مجرد مؤشرات، بل هي خلاصة مسار طويل من التخطيط الاستراتيجي والانفتاح الاقتصادي، جعل من الإمارات نموذجاً عالمياً في التنافسية والقدرة على تحويل التحديات إلى فرص.
ولم يتوقف الأمر عند مؤشر الذكاء وحده، بل صُنِّفت الإمارات في المرتبة الأولى عربياً والحادية والعشرين عالمياً في مؤشر السعادة العالمي، وهو مؤشر لا يقيس الثروة، بل يقيس ما هو أعمق منها؛ يقيس شعور الإنسان بالأمان والاستقرار ورضاه عن حياته.
وفي السياق ذاته، كرّست الدولة حضورها السياحي عالمياً بعدما اختارت مجلة «تايم» ثلاثة مشاريع رائدة في دبي وأبوظبي ضمن أفضل الوجهات في العالم لعام 2026، في إقرارٍ بأن بريق هذه المدن لم يخفت، بل ربما ازداد لمعاناً في عيون العالم.
وجاءت أرقام 2025 لتؤكد ذلك، حيث استقبلت إمارة أبوظبي وحدها 26.6 مليون زائر خلال عام 2025 في رقم قياسي جديد يعزّز مكانتها عاصمة ثقافية عالمية ووجهة سياحية مفضّلة.
وفي مشهد موازٍ يعكس الحيوية المجتمعية والمؤسسية، سجّلت القيادة العامة لشرطة دبي رقمين قياسيين في موسوعة «غينيس» خلال ماراثون دبي 2026 في إنجازٍ يعكس حضور الدولة المتكامل، حيث تتقاطع التنمية مع الرياضة، والأمن مع الصورة العالمية.
الحقيقة التي تكشفها فترة الحرب هذه بكل وضوح هي أن الإمارات لا تستسلم للأزمات، بل تطوعها وتواصل مسارها التنموي، فكونها ثاني أكبر اقتصاد عربي وأكثره تنوعاً، يستند إلى منظومة متكاملة من الصناديق السيادية ذات الحضور العالمي، مثل «مبادلة» و«جهاز أبوظبي للاستثمار»، إلى جانب مراكز مالية دولية راسخة كمركز دبي المالي العالمي وسوق أبوظبي العالمي، وهي منظومة لا تهتز أمام أي عاصفة طالت أو قصرت.
لذلك فهناك درس بليغ من الأسابيع الخمسة الماضية، وهو أن الاستقرار الحقيقي لا يقاس في رخاء الأيام وهدوئها، بل يُختبر في أوقات العواصف والأزمات، وما أنجزته الإمارات خلال زمن الأزمة عجزت عن بلوغه دول كثيرة في زمن السلم.