شؤون عربية ودولية

خمسة أسئلة عن الذكاء الاصطناعي لا يملك قادة الأعمال ترف تأجيلها : CNN الاقتصادية



لم يعد غريباً أن تمتلك المؤسسة اليوم عشرات المبادرات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. أداة تساعد الموظفين على الكتابة، وأخرى تحلل البيانات، ومساعد رقمي لخدمة العملاء، وفرق من وكلاء الذكاء الاصطناعي تعمل معاً لتنجز وتتابع مجموعة من العمليات على مدار اليوم، ونماذج تختصر ساعات من العمل إلى دقائق.

النتائج ممتازة، مهام تُنجز بسرعة أكبر، وتقارير تُنتج في وقت قياسي، وموظفون أكثر إنتاجية، تحاليل أعمق، رسائل أكثر احترافية، وعمليات أقل تكلفة. لكن وسط كل هذه المؤشرات الإيجابية، هناك سؤال أكثر أهمية وربما أكثر صعوبة: هل أصبحت المؤسسة نفسها أقوى؟

هل تحسنت الحصة السوقية؟ هل أصبحت القرارات أفضل؟ هل انخفضت المخاطر؟ وهل بنت المؤسسة ميزة تنافسية جديدة، وعززت قدرتها على الاستمرار والمنافسة في سوق تتغير بسرعة؟

فالنجاح في استخدام الذكاء الاصطناعي لا يعني بالضرورة النجاح في التحول بواسطته. وقد تنجح المؤسسة في جعل عشرات المهام أسرع وأكثر كفاءة، من دون أن تغيّر شيئاً جوهرياً في موقعها التنافسي الاستراتيجي.

وهنا تحديداً تبدأ الأسئلة الأصعب.

المشكلة الحقيقية

اليوم، لم يعد التحدي أمام قادة الأعمال هو الوصول إلى الذكاء الاصطناعي؛ فالأدوات أصبحت متاحة، والنماذج تتطور بسرعة، والتكلفة تنخفض، والقدرات التي كانت قبل فترة قصيرة حكراً على الشركات التقنية الكبرى أصبحت في متناول مؤسسات من مختلف الأحجام.

المؤسسة قد تنجح في تنفيذ عشرات تحسينات تشغيلية مدعومة بالذكاء الاصطناعي، وتحتفل بارتفاع الإنتاجية، ثم تكتشف أنها أصبحت أكثر كفاءة في تشغيل نموذج عمل لم يعد بالضرورة هو النموذج الذي سيضمن تنافسيتها مستقبلاً.

التحدي اليوم هو الانتقال من امتلاك الذكاء الاصطناعي إلى امتلاك رؤية توظيفه في نقل المؤسسة لمرحلة جديدة تماماً.

في ما يلي خمسة أسئلة، لا ترتبط بالتقنية بقدر ما ترتبط بجوهر التحول الاستراتيجي للمؤسسة في عصر الذكاء الاصطناعي، ينبغي على كل قائد أعمال أن يملك إجابة واضحة عنها.

هل نستخدم الذكاء الاصطناعي لتحسين ما هو قائم، أم لإعادة تعريفه وإعادة تصميم المؤسسة؟

أول ما يجب أن يحمس الإدارة ليس ميزانية المشروع، بل موقعه الاستراتيجي. فهناك فرق جوهري بين استخدام الذكاء الاصطناعي كأداة تحسّن الكفاءة التشغيلية ضمن النموذج القائم، وبين استخدامه كمحرك يعيد تشكيل نموذج العمل نفسه.

الاستخدام الأول يخفّض التكاليف ويسرّع العمليات، وهو مفيد لكنه لا يغيّر موقع المؤسسة في السوق بشكل جوهري. أما الاستخدام الثاني فقد يفتح أسواقاً جديدة، أو على العكس، يهدد الأساس الذي بُني عليه العمل بأكمله. الخلط بين النوعين هو سبب شائع لفشل مبادرات كثيرة، فقد تُدار مبادرة تحويلية بعقلية تحسين تدريجي، فتُقتل طموحاتها قبل أن تبدأ، أو يُدار مشروع تحسين بسيط بميزانية وتوقعات مشروع تحويلي، فيُحكم عليه بالفشل قبل أن يُقيَّم بمعاييره الحقيقية.

يمكن للمؤسسة أن تشتري عشرات أدوات الذكاء الاصطناعي، وتوزعها على الموظفين، وتعلن نجاح التحول؛ لكنها في الحقيقة قد لا تفعل أكثر من إضافة طبقة تقنية جديدة فوق عمليات قديمة وبطيئة. القيمة الكبرى لن تأتي من مساعدة كل موظف على أداء مهمته الحالية بسرعة ونوعية أكبر فقط، بل من تضمين قوة الذكاء الاصطناعي في صميم الميزة التنافسية للمؤسسة.

من هو منافسنا الحقيقي في عصر الذكاء الاصطناعي؟

لعقود، كانت المؤسسات تعرف منافسيها بوضوح، الشركات التي تبيع المنتج نفسه، أو خدمة مشابهة، لجمهور مشترك. لكن الذكاء الاصطناعي يعيد رسم هذه الخريطة بصمت.

اليوم، قد يكون المنافس الحقيقي شركة ناشئة صغيرة، لا تمتلك أصولاً ولا فروعاً ولا تاريخاً طويلاً، لكنها بنت منتجاً خفيف البنية فوق البنية التحتية نفسها للذكاء الاصطناعي المتاحة للجميع، واستطاعت اختراق جزء من شبكة القيمة التي كانت المؤسسة التقليدية تظن أنها محصّنة داخلها. القائد الذي يراقب فقط منافسيه المعروفين تاريخياً، بينما يتجاهل هذا النوع من التهديد الخفي، يخاطر بأن يُفاجأ من زاوية لم يكن يرصدها أصلاً.

هل استثمارنا يبني على كفاءاتنا الأساسية، أم يقوّضها؟

كل مؤسسة تراكمت لديها عبر سنوات كفاءات جوهرية، خبرة في إتمام العمليات الاساسية، علاقات مع الموردين، معرفة دقيقة بسلوك العملاء، عمليات داخلية مصقولة. والسؤال الذي يجب طرحه بصراحة هو: هل التقنية التي نتبناها اليوم تعزز هذه الكفاءات وتضاعف قيمتها، أم أنها تجعلها أقل أهمية، بل ربما زائدة عن الحاجة؟

حين يكون الجواب هو الاحتمال الثاني، فإن المؤسسة لا تواجه مشروع تحديث تقنياً بسيطاً، بل تواجه تحولاً هيكلياً حقيقياً، يتطلب إعادة نظر في الأدوار، والمهارات المطلوبة، وربما في طريقة تنظيم الفرق نفسها. تجاهل هذا الفرق، والتعامل مع كل استثمار في الذكاء الاصطناعي على أنه مجرد «أداة جديدة»، هو أحد أكثر الأخطاء الاستراتيجية شيوعاً هذه الأيام.

هل قراراتنا مبنية على أفق ربع سنوي، أم على أفق تحوّل استراتيجي حقيقي طويل الأمد؟

أخيراً، هناك سؤال يتعلق بالزمن نفسه. فكثير من مبادرات الذكاء الاصطناعي تُقيَّم بمعايير قصيرة الأجل، عائد سريع، خفض فوري في التكاليف، نتائج تظهر خلال ربع واحد. وهذا معيار مناسب لبعض المشاريع، لكنه معيار خاطئ تماماً لمشاريع تتعلق بتحول تنظيمي عميق، تحتاج بطبيعتها لفترات طويلة لتنضج وتُظهر أثرها الكامل.

الخلط بين الأفقين الزمنيين يقتل مشاريع واعدة قبل أوانها، أو يُبقي على مشاريع لا تستحق الاستمرار لمجرد أنها تحقق نجاح مرحلي وليس استراتيجي. القائد الجيد هو من يحدد منذ البداية أي أفق ينتمي إليه كل مشروع، ويقيّمه بمعاييره الصحيحة.

ما المشكلة التي نريد من الذكاء الاصطناعي أن يحلها؟

يبدأ كثير من مشروعات الذكاء الاصطناعي من الأداة، لا من المشكلة. يظهر نموذج جديد، فتسارع المؤسسة إلى البحث عن طريقة لاستخدامه. تطلق مشروعاً تجريبياً، وتشكّل فريقاً، وتمنح الموظفين حسابات على منصة جديدة، ثم تبدأ لاحقاً في السؤال عن القيمة التي يمكن تحقيقها. لكن الاتجاه الصحيح يجب أن يكون معاكساً تماماً.

علينا أولاً أن نبحث عن أكثر نقاط العمل بطئاً، وأكثر القرارات استهلاكاً للوقت، وأكثر العمليات عرضة للأخطاء، وأكثر تفاصيل تجربة العميل إزعاجاً، ثم نسأل: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يغيّر هذه المعادلة؟

هناك فرق كبير بين استخدام الذكاء الاصطناعي لكتابة تقرير كان الموظف يكتبه خلال ساعة، وبين إعادة تصميم العملية كاملة بحيث يجمع النظام البيانات، ويتحقق منها، ويحللها، ويحدد الاستثناءات، ثم يقدّم القرار المقترح إلى الشخص المسؤول.

في الحالة الأولى، نحن نسرّع مهمة قديمة. وفي الثانية، نحن نبني طريقة جديدة للعمل.

لذلك، يجب ألا يُقاس نجاح المشروع بعدد المستخدمين أو الطلبات التي أُرسلت إلى النموذج فقط، بل بالأثر الذي حققه: الوقت الذي تم تحريره، والتكلفة التي تم تخفيضها، والإيرادات التي ساعد على توليدها، والأخطاء التي منعها، والقرارات التي حسّنها. والاهم من كل هذا طبعاً بالنسبة الى الإدارة التنفيذية هو معرفة كيف أسهم هذا المشروع في خدمة الموقع التنافسي الاستراتيجي للمؤسسة.

السؤال ليس: أين يمكننا استخدام الذكاء الاصطناعي؟ فهذا السؤال واسع إلى درجة أنه يقود إلى عشرات التجارب المتفرقة.

السؤال الأفضل هو: ما المشكلة ذات القيمة العالية التي لم نعد نقبل استمرارها بالطريقة القديمة؟

الأسئلة الصعبة أهم من السهلة

لا تحتاج المؤسسات اليوم إلى مزيد من العروض التقديمية عن قدرات الذكاء الاصطناعي، فهذه القدرات أصبحت معروفة. ما تحتاجه فعلاً هو طرح الأسئلة الصعبة بصراحة، وتحمّل عدم الارتياح الذي يصاحب أحياناً غياب إجابات جاهزة عنها.

فالفارق بين مؤسسة تنجح في التحول الاستراتيجي المدعوم بالذكاء الاصطناعي وأخرى لا يكمن غالباً في اختيار النموذج أو المزوّد التقني، بل في جودة الأسئلة التي طرحتها قيادتها قبل أن تبدأ. الفارق سيكون في وضوح المشكلة التي اختارت حلها، ودقة الحدود التي وضعتها لذكاء الالة، وجودة المعرفة التي زودتها بها، وصلابة الحوكمة التي تحكمها، وشجاعتها في إعادة تصميم العمل بدلاً من الاكتفاء بتسريعه.

لم يعد السؤال أمام قادة الأعمال: هل سنستخدم الذكاء الاصطناعي؟ فقد حُسم هذا السؤال. السؤال الحقيقي هو: هل نمتلك الوضوح والتنظيم اللازم لتحويل هذه القدرة إلى قيمة حقيقية؟ فالذكاء الاصطناعي قد يمنح جميع المؤسسات الأدوات نفسها تقريباً، لكنه لن يمنحها الأسئلة الصحيحة، هذه ستظل مهمة القيادة.

تم إعداد هذه المقالة لصالح CNN الاقتصادية، والآراء الواردة فيها تمثّل آراء الكاتب فقط ولا تعكس أو تمثّل بأي شكل من الأشكال آراء أو وجهات نظر أو مواقف شبكة CNN الاقتصادية.



Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى