

وسّعت الأسهم مكاسبها وتراجع الدولار، بعدما امتنع رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش عن إعطاء أي إشارة إلى تشديد وشيك للسياسة النقدية، رغم بيانات التضخم الأقوى من المتوقع التي صدرت هذا الأسبوع. وقلّص المتداولون رهاناتهم على رفع الفائدة في اجتماع الفيدرالي هذا الشهر.
وكان وورش قد تحدث في جلسة حوارية مع مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا، على هامش الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدولي في بانكوك. وجدد التزام الفيدرالي بتحقيق استقرار الأسعار، لكنه لم يتطرق إلى مسار الفائدة ولا إلى آفاق الاقتصاد الأميركي، وقال إنه لا يحكم على الاجتماعات مسبقاً. وهذا الصمت لافت بالنظر إلى خطابه في جاكسون هول في أغسطس، حين أوحى بأن لدى الفيدرالي «عملاً يجب إنجازه» إذا لم يتراجع التضخم، قبل أن يرفع المجلس الفائدة 25 نقطة أساس في سبتمبر إلى نطاق 3.75% – 4.00%. ولذلك قرأنا ذلك كغياب لأي إشارة جديدة على أنه تراجع في حدة نبرة التشديد، وهو ما انعكس فوراً على الأسواق.
فقد ارتفعت العقود الآجلة للأسهم الأميركية بنحو 0.2%، وصعد مؤشر «إم إس سي آي» لآسيا والمحيط الهادئ 1.4%، وكانت الأسهم مرتفعة أصلاً مع تراجع موجة بيع أسهم الرقائق.
وفي سوق العملات، تراجع مؤشر بلومبرغ للدولار 0.1%، بعد هبوطه 0.3% في الجلسة السابقة، وهي أكبر خسارة يومية في أكثر من شهر. أما احتمال رفع الفائدة في أكتوبر فهبط إلى نحو 15%، من أكثر من 25% بالمقارنة مع يوم الخميس.
التضخم يربك حسابات الفيدرالي
ولفهم حجم هذا التراجع، لا بد من العودة إلى بيانات أسعار المستهلكين لشهر سبتمبر، التي صدرت الأربعاء وكانت سبب الاضطراب الأخير هذا الأسبوع. فقد ارتفع التضخم السنوي إلى 3.7% من 3.4% في أغسطس، متجاوزاً توقعات الاقتصاديين البالغة 3.6%.
وعلى أساس شهري، صعدت الأسعار 0.6%، وهي أكبر زيادة شهرية منذ أبريل، وقاد الطاقة هذا الارتفاع إذ قفز مؤشرها 5.2% في الشهر بدعم من أسعار الوقود. لكن ما أقلق المتعاملين أكثر هو التضخم الأساسي، الذي يستثني الغذاء والطاقة، فقد بلغ 2.6% على أساس سنوي مقابل توقعات 2.5%، وسجل 0.3% على أساس شهري مقابل 0.2% المتوقعة، ما يعني أن الضغوط لم تعد محصورة في الوقود. وجاءت بيانات أسعار المنتجين لتعزز القلق، إذ قفزت 6.3% على أساس سنوي في سبتمبر، متجاوزة التوقعات.
وانعكست هذه الأرقام سريعاً على الأسواق، فارتفع مؤشر الدولار بلحظتها إلى نحو 102.7 نقطة، وقفز عائد سندات الخزانة لأجل عامين إلى قرب 4.94%، وارتفع عائد العشر سنوات فوق 5.3%. وتراجع الذهب نحو 1% والفضة أكثر من 2%، وتعرضت الأسهم والعملات المشفرة لضغوط. والتفسير المعتاد أن ارتفاع الفائدة المتوقعة يزيد جاذبية الأصول المقومة بالدولار، ويضغط على الأصول التي لا تدر عائداً وعلى الأسهم المرتبطة بالنمو، وخصوصاً أسهم التكنولوجيا. وبهذا المعنى، فإن ما فعله وورش اليوم أنه خفف جزءاً من هذا الضغط، من دون أن يلغي أسبابه.
ويظهر ذلك بوضوح في أداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة «سي إم إي»، التي تعكس توقعات المتعاملين المستمدة من عقود الفائدة الآجلة. فقد تقلبت قراءاتها بحدة هذا الأسبوع. بالنسبة لاجتماع 27–28 أكتوبر، كان احتمال الرفع نحو 19% قبل صدور التضخم، ثم قفز الأربعاء إلى 43.7% من 22.1% في اليوم السابق، مقابل 56.3% للتثبيت، قبل أن تتراجع الاحتمالات إلى نحو 15% بعد تصريحات وورش، بحسب بلومبرغ. أما اجتماع 8–9 ديسمبر، فتسعّر الأسواق احتمالاً مرتفعاً لرفع واحد على الأقل بحلول نهاية العام، إذ كانت الاحتمالات نحو 85% قبل صدور التضخم.
ونرى أن ديسمبر هو الموعد الأرجح لأي خطوة جديدة، خصوصاً أن محضر اجتماع سبتمبر أظهر أن معظم المسؤولين يتوقعون زيادة أخرى قبل نهاية العام، دون جدول زمني.
الذكاء الاصطناعي في قلب رؤية وورش
وفي هذا السياق، يكتسب إشارة وورش إلى الذكاء الاصطناعي في بانكوك أهمية خاصة، لأنها تلامس الفكرة التي بنى عليها جزءاً من رؤيته الاقتصادية. فوورش يتبنى نظرة متفائلة جداً تجاه الذكاء الاصطناعي، وقد وصفه في مقال رأي في نوفمبر 2025، قبل ترشيحه، بأنه «قوة مضادة للتضخم بشكل كبير»، ترفع الإنتاجية وتعزز تنافسية الولايات المتحدة وتدفع الأجور الحقيقية إلى الأعلى، وذهب إلى أن زيادة نقطة مئوية واحدة في نمو الإنتاجية السنوي كفيلة بمضاعفة مستويات المعيشة خلال جيل. ومن هذه الفكرة بنى جزءاً من حجته لخفض الفائدة، فإذا كانت الإنتاجية ستكبح الأسعار، فسيتوفر للفيدرالي هامش أوسع للتيسير.
وكرر هذا الطرح أمام لجنة المصرفية في مجلس الشيوخ في 21 أبريل، مع إقراره بوجود مخاطر وتحديات، ويستشهد مؤيدوه ببيانات تظهر أن الإنتاجية الأميركية نمت نحو 2.7% في 2025، مقابل متوسط 1.4% سنوياً في العقد الماضي.
لكن الصورة أعقد داخل الفيدرالي نفسه، فنائب الرئيس فيليب جيفرسون قال إن أثر الذكاء الاصطناعي في التضخم لا يقتصر على الضغط نحو الأسفل، ويتوقع رئيس فرع شيكاغو أوستان غولسبي تضخماً أعلى، ويحذر منتقدون، ومنهم معهد كاتو، من أن تقديرات الأثر متباعدة بدرجة كبيرة وأن المصداقية تتعرض للخطر إذا بنى البنك المركزي قراراته على مكاسب لم تتحقق بعد.
وقد لاحظت تقارير أن هذه الرؤية تبدو متناقضة مع سجل وورش المتشدد في التصويت. وعملياً، تراجع هذا الطرح عن الواجهة منذ توليه المنصب في 22 مايو، مع صعود التضخم المرتبط بالحرب على إيران وارتفاع أسعار الطاقة، فبيان الفيدرالي يكتفي بملاحظة أن نمو الإنتاجية والاستثمار الرأسمالي قويان، ويبقى الدور الآخر للفكرة في فرقة عمل شكّلها وورش لدراسة الإنتاجية وسوق العمل.
أما في بانكوك، فقد انتقل من الحديث عن التضخم المقبل إلى وصف الواقع الحالي، فاعتبر أن طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي هي أبرز عوامل الدفع الصاعدة للاقتصاد العالمي اليوم، وهو ما ينسجم مع قول غورغييفا يوم الاثنين إن الإنفاق على بنية الذكاء الاصطناعي يبقي النمو العالمي قرب 3%، لكنه يحمل أيضاً «تسونامي بطيء الحركة» سيؤثر في الوظائف والضرائب والتعليم.
الذهب بين ضغوط الفائدة ومشتريات البنوك المركزية
وبين مسار الفائدة الذي يحدده وورش وزملاؤه، ونمو عالمي يدعمه الذكاء الاصطناعي، يقف الذهب في موقع حساس. فقد تراجع المعدن الأصفر إلى قرب 4,200 دولار للأونصة، بعد ذروة تجاوزت 5,500 دولار في يناير، تحت ضغط ارتفاع العوائد والدولار. غير أن نظرة البنوك المركزية نفسها إلى الذهب تبدو أطول نفساً من تقلبات الفائدة.
ففي أحدث مسح لمجلس الذهب العالمي، المنشور في يونيو، توقع 89% من 76 بنكاً مركزياً شملها الاستطلاع أن ترتفع احتياطيات الذهب العالمية خلال الأشهر الـ12 المقبلة، أي حتى ما يقارب منتصف 2027، وقال 45% منها، وهي نسبة قياسية، إنها ستزيد حيازاتها هي. ويتسق ذلك مع اتجاه ممتد، إذ راكمت البنوك المركزية نحو 1,000 طن سنوياً في السنوات الأربع الماضية، ضعف متوسط العقد السابق البالغ 500 طن.
مسار الذهب حتى منتصف 2027 سيتحدد بالتوازن بين قوتين: فائدة أميركية قد ترتفع مرة أو مرتين في الأشهر المقبلة وتضغط على المعدن، ومشتريات رسمية تعمل كأرضية داعمة له. وهنا تعود أهمية كل كلمة يقولها وورش.
قرار أكتوبر يسبق اختباراً جديداً للتضخم
ويدخل الفيدرالي فترة الصمت التي تسبق الاجتماع بدءاً من السبت 17 أكتوبر، ما يعني أن تصريحات وورش الأخيرة قد تكون آخر ما يسمعه السوق قبل القرار في 28 أكتوبر. وبعد الاجتماع يصدر مؤشر الإنفاق الاستهلاكي الشخصي، المقياس المفضل لدى الفيدرالي، في 29 أكتوبر، ثم يصدر تقرير التضخم التالي في 10 نوفمبر.
ويبقى السؤال الذي لا يجيب عنه وورش: هل يكتفي الفيدرالي بالتثبيت في أكتوبر ثم يرفع في ديسمبر، أم تفرض الأرقام تحركاً أسرع؟
تم إعداد هذه المقالة لصالح CNN الاقتصادية، والآراء الواردة فيها تمثّل آراء الكاتب فقط ولا تعكس أو تمثّل بأي شكل من الأشكال آراء أو وجهات نظر أو مواقف شبكة CNN الاقتصادية.




