تقنيات

لماذا يصعب كبح الذكاء الاصطناعي أكثر من السلاح النووي؟ : CNN الاقتصادية



ولدى القوتين العظميين حسابات استراتيجية مختلفة بشأن الذكاء الاصطناعي. فالولايات المتحدة، التي تتصدر حالياً السباق التكنولوجي، تتوخى الحذر من أن تؤدي القيود التنظيمية إلى إعاقة تطوره، بينما تأمل الصين في اللحاق بالركب من خلال لعب دور قيادي في وضع قواعد تخدم مصالحها. ولهذا شدد شي على الحاجة إلى حوكمة الذكاء الاصطناعي خلال زيارته للولايات المتحدة.

أشار تقرير لصحيفة نيكي اليابانية إلى انقسام الآراء حتى بين الدول الغربية. إذ يرى فريق ضرورة إبطاء وتيرة تطوير الذكاء الاصطناعي مع إعطاء الأولوية لإجراءات السلامة لمنع وقوع نتائج كارثية، بينما يرى فريق آخر أن التطوير يجب أن يتسارع لتجنب التخلف عن الصين، وهي وجهة نظر يحظى بها ترامب بقوة.

لكن يتعين على الغرب السعي لتحقيق الهدفين في الوقت نفسه، وهذا ليس مستحيلاً بحسب التقرير.

وإذا كان لا بُدّ من ترتيب الأولويات، فيجب أن يكون منع الذكاء الاصطناعي من الخروج عن السيطرة على رأس القائمة. وحتى إذا انتصر الغرب في منافسته مع الصين، فإن هذا الانتصار سيكون بلا معنى إذا وقعت هجمات بيولوجية أو كيميائية مدفوعة بالذكاء الاصطناعي أو حدث تدمير للبنية التحتية الحيوية.

ويُظهر تاريخ الأسلحة النووية مدى صعوبة السيطرة على المخاطر المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

تطوير القنبلة الذرية

في يونيو حزيران 1945، أعد علماء شاركوا في تطوير القنبلة الذرية «تقرير فرانك»، الذي حذر من أن شن «هجوم مفاجئ على اليابان» أمر غير مستحسن، لتجنب فقدان الدعم الشعبي للولايات المتحدة في مختلف أنحاء العالم. لكن في أغسطس آب من العام نفسه، أُلقيت القنابل على هيروشيما وناغازاكي.

بعد الحرب العالمية الثانية، انخرطت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي في سباق للتسلح النووي. ولم تبدأ الجهود الجادة للحد من الأسلحة إلا بعد أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، التي أوصلت العالم إلى حافة حرب نووية. وفي العام التالي، أنشأ البلدان خطاً ساخناً، ودخلت معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية حيز التنفيذ عام 1970.

واستغرق الأمر 25 عاماً بعد إلقاء القنابل الذرية حتى أُنشئ إطار عالمي للسلامة.

لكن هذا القدر من الوقت لم يعد متاحاً في عصر الذكاء الاصطناعي. إذ يمكن نسخ نماذج الذكاء الاصطناعي بسرعة، وبمجرد انتشارها يصبح استعادتها أمراً صعباً. كما أن مالكيها لا يقتصرون على الحكومات، بل يشملون الشركات والجامعات والأفراد أيضاً. وإذا أسيء استخدامها لأغراض عسكرية أو إرهابية، فقد تكون العواقب كارثية.

خروج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة

وتشعر الصين أيضاً بالقلق من خروج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة، كما أشار أحد مسؤوليها العسكريين خلال قمة «حوار شانغريلا» للأمن في سنغافورة أواخر مايو أيار. وقال اللواء منغ شيانغ تشينغ إن عسكرة التقنيات الناشئة، بما فيها الذكاء الاصطناعي، «تتحدى القواعد التقليدية للاشتباك وأخلاقيات الحرب، وتزيد خطر فقدان السيطرة».

وفي الحوار الأميركي-الصيني، الذي جمع مسؤولين حكوميين وقطاعيين في بكين أواخر أغسطس آب، كانت سلامة الذكاء الاصطناعي محوراً رئيسياً للنقاش.

ومن شأن وضع إطار لمنع الكوارث المرتبطة بالذكاء الاصطناعي أن يعود بالنفع على الولايات المتحدة والصين معاً. وينبغي للبلدين إنشاء آليات تضمن الإبلاغ سريعاً عن الحوادث الكبرى والهجمات السيبرانية، وتبادل المعلومات بشأن إساءة استخدام الذكاء الاصطناعي من جانب المنظمات الإرهابية والإجرامية.

ومع ذلك، لا يستطيع الغرب تحمل خسارة سباق الذكاء الاصطناعي أمام الصين. فقد تعرضت أنظمة الذكاء الاصطناعي الصينية لانتقادات واسعة بسبب رفضها الإجابة عن أسئلة تتعلق بقضايا حقوق الإنسان أو تايوان، وترديدها مواقف بكين الرسمية.

وإذا أصبحت هذه الأنظمة مدمجة بصورة عميقة في الإدارات العامة والمدارس ووسائل الإعلام حول العالم، فقد تكتسب الرواية التي تتبناها الحكومة الصينية قبولاً أكبر على مستوى العالم. كما تسعى الصين إلى إنشاء نظام دولي للتكنولوجيا من خلال إطلاق «منظمة التعاون العالمي للذكاء الاصطناعي».

الذكاء الاصطناعي الصيني

ومع ذلك، يصعب استبعاد الذكاء الاصطناعي الصيني بالكامل. فالعديد من نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية منخفضة التكلفة وقابلة للتخصيص بدرجة كبيرة، ما يجعلها تحظى بشعبية متزايدة، خصوصاً في الدول الناشئة. وإذا حظرت الولايات المتحدة هذه النماذج من أسواقها وأسواق حلفائها، فإن النماذج الصينية قد تهيمن ببساطة على الدول المتبقية.

ولذلك، سيكون من الحكمة أن تعمل الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون معاً لتطوير أنظمة ذكاء اصطناعي تتفوق على البدائل الصينية وتكون أسهل في الاستخدام.

وتتمتّع الولايات المتحدة بتفوق كبير في أحدث نماذج الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية السحابية. وبين حلفائها، تمتلك اليابان نقاط قوة صناعية قد تمنحها ميزة في مجال الذكاء الاصطناعي المادي. وتعد تايوان وكوريا الجنوبية ضروريتين لإنتاج أشباه الموصلات، بينما يمكن لليابان وأوروبا أداء أدوار رئيسية في تصنيع المعدات.

ويتطلب الحفاظ على ريادة الولايات المتحدة بناء نماذج للذكاء الاصطناعي يمكن لحلفائها الوثوق بها.

وفي يونيو حزيران، فرضت وزارة التجارة الأميركية قيوداً مؤقتة على الوصول إلى أحدث نموذج طورته شركة أنثروبيك، لأسباب تتعلق بالأمن القومي. وإذا كانت واشنطن ستتدخل بهذه الطريقة، فمن المفيد أن توضح لعملاء القطاع متى يمكن تقييد الوصول إلى نماذج الذكاء الاصطناعي، وإلى متى سيستمر ذلك.

ومن خلال هذا النوع من الشفافية، يمكن للولايات المتحدة بناء الثقة التي ستحتاج إليها في منافستها مع الصين في هذا المجال. فالتعاون مع الصين لمنع الكوارث المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، ومنع الصين في الوقت نفسه من تحقيق الهيمنة على الذكاء الاصطناعي، ليسا هدفين متعارضين.

وفي حالة الأسلحة النووية، أدت كارثة هيروشيما وناغازاكي، تلتها أزمة الصواريخ الكوبية، إلى نشوء إدراك مشترك عالمياً بأن التصعيد غير المنضبط يمكن أن يقود إلى كارثة.

وقال نوبوماسا أكياما، أستاذ في جامعة هيتوتسوباشي وخبير في الحد من الأسلحة النووية: «أما بالنسبة إلى الذكاء الاصطناعي، فلم ينتشر بعد هذا الشعور بالأزمة على نطاق واسع، ما يجعل من الصعب على الدول الاتفاق على تنظيم شامل».

وأضاف: «في الوقت الحالي، تتمثل الإجراءات العملية في إنشاء نظام للإبلاغ عن الحوادث وإطار لإدارة الأزمات».

وتابع: «لكن الأهم من الآليات المحددة هو التأكد من أن الدول المتنازعة قادرة على التعاون لحماية مصلحتها المشتركة المتمثلة في تجنب الكارثة».

وأعاقت المنافسات بين القوى الكبرى التقدم نحو نزع السلاح النووي خلال ربع القرن الذي أعقب إلقاء القنابل الذرية على اليابان وحتى التصديق على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية. واليوم، تقف منافسات مماثلة في طريق حماية البشرية من المخاطر المحتملة للذكاء الاصطناعي.

ويتعين إنشاء آليات لاحتواء هذه المخاطر قبل أن تقودنا إلى حافة الكارثة.



Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى