

وخلصت شركة الأبحاث برنشتاين (Bernstein) إلى أن نحو 35% فقط من قدرات مراكز البيانات المعلنة في الولايات المتحدة يُرجح تنفيذها، بما يعادل نحو 170 غيغاواط من إجمالي يقترب من 500 غيغاواط، بحسب تقرير نشره بيزنس إنسايدر، الخميس 22 أكتوبر تشرين الأول.
واستند البحث إلى مراجعة أولية لأكثر من 7 آلاف مشروع في أميركا الشمالية، قبل تضييق نطاق التقييم إلى أكثر من 5 آلاف مشروع، ولا تعني النتيجة إلغاء 65% من المشروعات أو خسارة تمويل يعادل هذه النسبة، وإنما تمثل تقديراً للقدرات المرجح تنفيذها.
فجوة بين الإعلان والتشغيل
تكشف بيانات شركة أتيريو (Aterio)، المتخصصة في تتبع مشروعات مراكز البيانات، عن اختلال واضح بين معدلات الإعلان والتنفيذ.
فبينما يُعلن عن قدرات جديدة تتراوح بين 30 و40 غيغاواط شهرياً، يبدأ إنشاء مشروعات بقدرة تقارب 7 غيغاواط فقط، فيما تدخل الخدمة فعلياً قدرات تتراوح بين 2 و3 غيغاواط.
وتشير هذه الأرقام إلى أن القدرات التي تدخل التشغيل شهرياً تعادل نحو 5% إلى 10% من القدرات المعلنة خلال شهر نموذجي، دون أن يعني ذلك معدل فشل نهائياً، نظراً لاختلاف الجداول الزمنية للمشروعات.
ارتفعت القدرات المصنفة باعتبارها متعثرة، وتشمل المشروعات الملغاة أو المؤجلة أو غير المعتمدة، من 14.2 غيغاواط في أغسطس 2025 إلى 49.6 غيغاواط في أغسطس 2026، بزيادة تقارب 249%، وفق بيزنس إنسايدر.
الكهرباء تكشف مشروعات على الورق
تُعد الكهرباء أبرز الاختناقات التي تواجه تحول مراكز البيانات إلى أصول منتجة، خصوصاً مع تقديم مطورين طلبات ربط متعددة لحجز قدرات قد لا يحتاجون إليها بالكامل.
وفي تكساس، بلغت طلبات ربط مراكز البيانات نحو 450 غيغاواط، وفق بيانات نقلها بيزنس إنسايدر عن متخصصين في القطاع، بما يتجاوز خمسة أمثال قدرة شبكة الولاية البالغة نحو 85 غيغاواط.
وتتفق الظاهرة مع تحذيرات وكالة الطاقة الدولية في تقريرها «الكهرباء 2026»، الذي أشار إلى أن نحو 20% فقط من طلبات ربط مراكز البيانات الأميركية يُتوقع تحققها على المدى القصير إلى المتوسط، استناداً إلى بيانات شركات المرافق، وهذا مؤشر مستقل لا يقيس مجموعة مشروعات برنشتاين نفسها.
وتكمن المخاطر الاقتصادية في أن تضخيم الطلب قد يدفع شركات الكهرباء إلى التخطيط لاستثمارات تفوق الاحتياجات الفعلية، بينما يؤدي نقص التقدير إلى تأخير مشروعات جادة.
تداعيات تمتد إلى الرقائق والمقاولين
لا تتوقف آثار التأخير عند شركات التطوير العقاري؛ إذ يمكن أن تمتد إلى مصنعي الرقائق والذاكرة والمعدات الكهربائية وشركات الإنشاءات.
ونقلت رويترز في 5 أكتوبر عن مورغان ستانلي تقديرات بعجز صافٍ يبلغ 32 غيغاواط في الكهرباء اللازمة لمراكز البيانات الأميركية حتى 2028، يعادل 34% من الاحتياجات المقدرة.
ورجح البنك أن تكون إنفيديا وبرودكوم أكثر قدرة على امتصاص الضغوط، بينما يواجه موردو الذاكرة والمكونات البصرية وإدارة الطاقة مخاطر تأجيل الطلبيات أو تراكم المخزون.
أما المقاولون وموردو المحولات وأنظمة التبريد، فقد يواجهون تقلبات في جداول التنفيذ والتدفقات النقدية، خصوصاً عندما ترتبط العقود بمشروعات لم تحصل بعد على الموافقات أو الكهرباء.
مؤشر لقياس مصداقية الاستثمار
يمكن بناء مؤشر تحليلي مقترح من 100 نقطة لتقييم فرص تنفيذ المشروعات، يختلف عن نموذج برنشتاين، ويعتمد على خمسة متغيرات، وهي تأمين الأرض قانونياً (15 نقطة)، وتأمين الكهرباء بعقد وجداول واضحة (30 نقطة)، والحصول على التصاريح (20 نقطة)، وتوفر التمويل الملزم (20 نقطة)، وتوقيع عقود مع العملاء (15 نقطة).
ويُصنف المشروع بدرجة 80 فأكثر باعتباره مرتفع الجاهزية، ومن 50 إلى أقل من 80 متوسط الجاهزية، وأقل من 50 منخفض الجاهزية، وتظل هذه حدوداً تحليلية مقترحة، لا احتمالات تنفيذ مثبتة إحصائياً.
وعند تطبيق تقديرات برنشتاين على نحو 500 غيغاواط معلنة، تبلغ فجوة القدرات النظرية قرابة 330 غيغاواط.
أما فجوة الاستثمار الرأسمالي فلا يمكن تحديدها بدقة دون معرفة تكلفة التطوير لكل غيغاواط، ونوع المنشآت، وحجم النفقات التي صُرفت بالفعل، لذلك لا يجوز تحويل الفجوة مباشرة إلى خسائر مالية.
هل تستفيد الأسواق الأسرع تنفيذاً؟
يتوقع خبراء أسواق الطاقة أنه قد تفتح الاختناقات الأميركية فرصاً أمام دول الخليج والأسواق القادرة على توفير كهرباء موثوقة، وأراضٍ مخدومة، وتراخيص سريعة واتصال دولي منخفض التأخير، لكن الميزة التنافسية لن تعتمد على تكلفة الطاقة وحدها، بل على سرعة إيصالها إلى موقع المشروع، وتوفر شبكات الاتصالات، والمياه أو بدائل التبريد، والعمالة المتخصصة، والعملاء بعقود طويلة الأجل.
وتوضح تجربة بريطانيا حجم المخاطر؛ إذ أفادت رويترز في 19 أكتوبر بأن مايكروسوفت انسحبت من اتفاق لتكون عميلاً رئيسياً لمركز بيانات تابع لـ(Nscale) بعد تأخر موعد توفير الكهرباء إلى ثلاثينيات القرن الحالي، مع استمرار شراكة الشركتين في مشروعات أخرى.
وبحسب الخبراء لا تشير تقديرات برنشتاين إلى انهيار طفرة الذكاء الاصطناعي بقدر ما تكشف تحول معيار النجاح من حجم الاستثمارات المعلنة إلى قدرات التشغيل الفعلية؛ فالسباق المقبل لن يحسمه من يعلن أكبر مركز بيانات، بل من يمتلك الكهرباء والتمويل والعملاء لتشغيله.




