شؤون عربية ودولية

من سيشتري الدين الأميركي؟.. التحولات الهيكلية في أكبر سوق سندات في العالم : CNN الاقتصادية



يشهد سوق سندات الخزانة الأميركية تحولاً هيكلياً يستحق قراءة تتجاوز التفسير التقليدي القائم على العلاقة المباشرة بين التضخم وأسعار الفائدة والعوائد على السندات؛ فالتطورات الأخيرة تكشف عن تغير أعمق في العلاقة بين السياسة النقدية والسياسة المالية والدين العام والأسواق المالية العالمية.

ومن منظور فكر الاقتصاد الحديث، يصبح السؤال الأكثر أهمية: هل ارتفاع عوائد السندات نتيجة حتمية لقوى السوق وزيادة الدين الأميركي، أم أن السياسات النقدية والمالية نفسها تسهم في صناعة هذه المشكلة؟

عندما تصبح الفائدة أداة غير كافية لمواجهة التضخم

تبدأ القصة من التضخم؛ فقد اعتمد الاحتياطي الفيدرالي على أسعار الفائدة المرتفعة باعتبارها الأداة الأساسية للسيطرة على الضغوط السعرية. هذه السياسة تكون أكثر فاعلية عندما يكون التضخم مدفوعاً بارتفاع الطلب الكلي والائتمان والاستهلاك. لكن طبيعة التضخم تغيرت بصورة واضحة مع ارتفاع أسعار النفط والغاز، واضطراب سلاسل الإمداد، وزيادة تكاليف النقل والتأمين، وتصاعد المخاطر الجيوسياسية وإغلاق مضيق هرمز.

في مثل هذه الظروف يصبح رفع الفائدة أداة محدودة الفاعلية، لأن أسعار الفائدة المرتفعة لا تنتج الطاقة، ولا تعيد فتح الممرات التجارية، ولا تخفض تكلفة الشحن.

المشكلة أن الفائدة المرتفعة تترك آثاراً واسعة على الاقتصاد. فهي تزيد تكلفة التمويل على الشركات والأسر، وتضعف الاستثمار، وتضغط على سوق العقارات، وترفع تكلفة خدمة الدين الحكومي. لذلك قد تؤدي محاولة معالجة تضخم مصدره الأساسي صدمة عرض إلى إضعاف الطلب والاستثمار والنمو، بينما يبقى أصل الصدمة التضخمية قائماً. ومن هنا يأتي أحد أهم مبادئ فكر الاقتصاد الحديث: ينبغي تحديد مصدر التضخم قبل اختيار الأداة المناسبة لمعالجته.

العوائد طويلة الأجل لا تحددها قوى السوق وحدها

ويمتد هذا النقاش مباشرة إلى سوق السندات؛ فأسعار الفائدة طويلة الأجل لا تتحدد وفق حجم المدخرات المتاحة وحده، وإنما تتأثر بسياسة البنك المركزي، وتوقعات المستثمرين بشأن التضخم والفائدة المستقبلية، وحجم الإصدارات الحكومية، والسيولة، وعلاوة الأجل.

ولذلك يمتلك الاحتياطي الفيدرالي قدرة كبيرة على التأثير في منحنى العائد من خلال سعر الفائدة القصير، وميزانيته العمومية، وعمليات السوق المفتوحة، والتوجيه المستقبلي، وشراء السندات عند الضرورة.

وهذا مهم لأن ارتفاع العوائد بدأ يخلق حلقة تغذية ذاتية بين السياسة النقدية والمالية.

حلقة الفائدة والدين والعجز

عندما ترتفع الفائدة، تضطر الحكومة إلى إعادة تمويل جزء من ديونها بتكلفة أعلى، فترتفع مدفوعات الفائدة ويتسع العجز المالي، ما يتطلب إصدار المزيد من السندات. زيادة المعروض قد تدفع المستثمرين إلى المطالبة بعوائد أعلى، فتزداد تكلفة خدمة الدين مرة أخرى.

وهكذا يمكن أن تتحول السياسة النقدية المتشددة نفسها إلى عامل يساهم في زيادة العجز والدين الذي يقلق سوق السندات.

ومن هذه الزاوية، تحتاج العلاقة السببية إلى إعادة نظر. فالطرح التقليدي يقول إن ارتفاع الدين يؤدي إلى ارتفاع أسعار الفائدة، بينما يمكن في الظروف الحالية أن تسير العلاقة أيضاً في الاتجاه المعاكس: الفائدة المرتفعة تزيد تكلفة الدين وتسهم في زيادة العجز وإصدار المزيد من السندات.

وهذا التفاعل بين السياسة النقدية والمالية يمثل أحد أهم التحولات التي تواجه سوق الخزانة الأميركية.

تغير خريطة المشترين العالميين

في المقابل، يشهد جانب الطلب تغيرات مهمة؛ الصين خفضت تدريجياً حيازاتها المسجلة من سندات الخزانة الأميركية، بينما تسعى بعض الاقتصادات الناشئة ودول بريكس إلى تنويع احتياطياتها.

ولا يعني ذلك قرب انتهاء الدور العالمي للدولار أو فقدان سندات الخزانة مكانتها، فالسوق الأميركية تظل الأكبر والأكثر سيولة وعمقاً. لكن المستثمر الأجنبي أصبح أكثر حساسية للعائد والمخاطر، ما قد يرفع السعر الذي يتعين على الخزانة دفعه لجذب المشتري الهامشي.

الذكاء الاصطناعي يخلق منافساً جديداً على رأس المال

كما ظهرت منافسة متزايدة من سوق سندات الشركات، وخصوصاً شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي التي تحتاج إلى تمويل ضخم لمراكز البيانات وأشباه الموصلات وشبكات الكهرباء والبنية التحتية الرقمية.

ويمنح توسع هذه الإصدارات المستثمرين خيارات إضافية ذات عوائد جذابة. لكن فكر الاقتصاد الحديث يحذر من تفسير هذه المنافسة وفق مفهوم بسيط يقوم على وجود كمية ثابتة من المدخرات تتنافس عليها الحكومة والشركات.

النظام المالي يستطيع خلق الائتمان، ولذلك ترتبط القضية بصورة أكبر بسعر التمويل والسيولة وشهية المخاطر وتوزيع المحافظ الاستثمارية.

صناديق التحوط.. خطر خفي داخل سوق الخزانة

وهناك خطر آخر يتعلق بصناديق التحوط واستخدام الرافعة المالية في سوق الخزانة، خصوصاً عبر استراتيجيات الـTreasury Basis Trade.

ففي الأوقات المستقرة تحقق هذه الاستراتيجيات أرباحاً من فروق سعرية صغيرة، لكن ارتفاع التقلبات قد يجبر المستثمرين على تصفية مراكزهم بسرعة، ما يمكن أن يحول ارتفاع العوائد إلى أزمة سيولة.

وتجربة مارس 2020 أظهرت أن سوق الخزانة، رغم حجمه وعمقه، يمكن أن يحتاج إلى تدخل مباشر من الاحتياطي الفيدرالي عندما تتعطل آلية السوق.

لماذا لا تكفي عمليات إعادة شراء السندات؟

من هنا، يصعب اعتبار برنامج إعادة شراء السندات الذي تنفذه وزارة الخزانة حلاً للمشكلة الهيكلية. عمليات إعادة الشراء تستطيع تحسين السيولة وإدارة آجال الدين، لكنها لا تخلق مصدراً دائماً للطلب.

كما أن التوسع فيها قد يعطي إشارة سلبية إذا اعتقد المستثمرون أن الخزانة تحاول دعم أسعار السندات في الوقت الذي تستمر فيه بإصدار كميات كبيرة منها.

وبالتالي يجب الفصل بين إدارة الدين التي تقوم بها وزارة الخزانة وبين إدارة السيولة والظروف النقدية التي تقع في صميم عمل الاحتياطي الفيدرالي.

الفيدرالي كمشترٍ أخير للسندات

إذا أصبح فائض عرض السندات أو اضطراب السيولة يهدد استقرار السوق وانتقال السياسة النقدية، فإن الاحتياطي الفيدرالي يمتلك الأدوات الأقوى للتدخل. ويمكنه أن يعمل كمشترٍ أخير للسندات عند الضرورة، مع ضرورة التمييز بين حماية استقرار السوق وبين التمويل الدائم للعجز الحكومي.

التدخل غير المشروط قد يثير مخاوف الهيمنة المالية ويزيد توقعات التضخم. أما برنامج مؤقت وواضح لشراء السندات عند حدوث اختلالات حقيقية في السوق فيمكن أن يمنع أزمة سيولة ويحافظ على عمل أهم سوق مالي في العالم.

الحاجة إلى تنسيق جديد بين السياسة النقدية والمالية

الحل الأكثر استدامة يتطلب تنسيقاً أفضل بين السياسة النقدية والمالية؛ فإذا كان التضخم ناتجاً عن الطاقة وسلاسل الإمداد وصدمات العرض، فإن العلاج يحتاج إلى سياسات تستهدف الطاقة والاستثمار والبنية التحتية والمخزونات الاستراتيجية والسياسة الصناعية، بدلاً من تحميل سعر الفائدة كامل المسؤولية.

وعندما تسمح تطورات التضخم، يصبح خفض الفائدة تدريجياً مهماً لتقليل الضغوط على الاستثمار وسوق السندات وخدمة الدين.

وفي المقابل، تحتاج السياسة المالية إلى إدارة أفضل لحجم وآجال إصدارات الدين، مع تقديم مسار أكثر وضوحاً للعجز المالي؛ فالتنسيق هنا لا يعني خضوع الفيدرالي لوزارة الخزانة، وإنما الاعتراف بأن السياسة النقدية والمالية تؤثران في السوق نفسها ولا يمكن التعامل معهما باعتبارهما عالمين منفصلين.

من سيشتري التريليونات القادمة من الدين الأميركي؟

تمتلك الولايات المتحدة ميزة استثنائية لأنها تصدر ديونها بعملتها، والدولار يحتفظ بموقع مركزي في النظام المالي العالمي. لكن هذه الميزة لا تلغي القيود الاقتصادية؛ فالتضخم والطاقة الإنتاجية والاستقرار المالي والثقة بالدولار تظل قيوداً حقيقية.

لذلك فإن السؤال الأهم في المرحلة المقبلة يتجاوز قدرة الولايات المتحدة على إصدار المزيد من الدين إلى سؤال أكثر حساسية: من سيشتري التريليونات القادمة من السندات الأميركية، وبأي عائد؟

الإجابة ستعتمد بدرجة كبيرة على قدرة السياسة الاقتصادية الأميركية على إعادة بناء التوازن بين التضخم والفائدة والنمو والدين، وعلى استعداد الفيدرالي للتدخل عندما يتحول ارتفاع العوائد من عملية تسعير طبيعية للمخاطر إلى تهديد لسيولة السوق والاستقرار المالي.

وفي النهاية، ربما يكون التحدي الأكبر أمام الولايات المتحدة هو تجنب الاعتماد المفرط على سعر الفائدة لمعالجة مشكلات هيكلية تحتاج بطبيعتها إلى أدوات أكثر تنوعاً وتنسيقاً بين السياسة النقدية والمالية.

تم إعداد هذه المقالة لصالح CNN الاقتصادية، والآراء الواردة فيها تمثّل آراء الكاتب فقط ولا تعكس أو تمثّل بأي شكل من الأشكال آراء أو وجهات نظر أو مواقف شبكة CNN الاقتصادية.



Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى