شؤون عربية ودولية

مَن يملك مفاتيح استمرارية الذكاء الاصطناعي؟ : CNN الاقتصادية



مع تحول الذكاء الاصطناعي إلى جزء أساسي من عمليات الشركات، لم يعد السؤال فقط: ما النموذج الأكثر تطوراً؟ بل ماذا يحدث إذا تعطلت البنية التحتية التي يعتمد عليها؟

لسنوات، ركّز سباق الذكاء الاصطناعي على النماذج والبيانات والرقائق والقدرات الحاسوبية، لكن مع انتقال هذه التكنولوجيا من مرحلة التجربة إلى تشغيل أنظمة حيوية داخل الشركات، تظهر نقطة ضعف لا تحظى دائماً بالاهتمام الكافي: البنية التحتية.

فالذكاء الاصطناعي، مهما بدا رقمياً، يعتمد في النهاية على عالم مادي من مراكز البيانات، وشبكات الاتصالات، والكابلات البحرية، وإمدادات الكهرباء، وأنظمة التبريد.

وأي خلل كبير في إحدى هذه الحلقات، سواء بسبب انقطاع في الشبكات، أو عطل تقني واسع، أو مشكلة في إمدادات الطاقة، أو كارثة طبيعية، قد يمتد أثره سريعاً إلى الخدمات والعمليات التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي.

وهنا تظهر مفارقة واضحة: كلما أصبح الذكاء الاصطناعي أكثر أهمية للشركات، أصبحت موثوقية البنية التحتية التي تشغله أكثر أهمية أيضاً.

عندما تصبح جغرافيا الذكاء الاصطناعي مهمة

منحت الحوسبة السحابية الشركات ميزة كبيرة: الوصول إلى قدرات حاسوبية ضخمة من دون الحاجة إلى امتلاك مراكز بيانات أو ضخ استثمارات رأسمالية هائلة في بنية تحتية خاصة.

لكن هذه السهولة خلقت أيضاً نوعاً جديداً من الاعتماد؛ فالنماذج موجودة على السحابة، وكذلك كميات ضخمة من البيانات والأنظمة التي تستخدمها الشركات في أعمالها اليومية. ومع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي، يصبح السؤال عن المكان الذي تعمل فيه هذه الأنظمة فعلياً أكثر أهمية.

وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة في منطقة الخليج، التي تشهد توسعاً متسارعاً في الاستثمارات الموجهة إلى مراكز البيانات والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي، بالتوازي مع تزايد استخدام هذه التكنولوجيا في قطاعات اقتصادية مختلفة.

ويمتلك الخليج مجموعة من المقومات التي تعزّز قدرته على تطوير منظومات محلية للذكاء الاصطناعي، من توفر رأس المال والأراضي إلى الاستثمارات الكبيرة في الطاقة والبنية التحتية الرقمية. وهذا يجعل المنطقة مرشحة للعب دور متنامٍ ليس فقط كمستهلك لتقنيات الذكاء الاصطناعي، وإنما أيضاً كمركز لاستضافة وتشغيل البنية التحتية التي تقف خلفها.

لكن زيادة القدرات الحاسوبية وبناء المزيد من مراكز البيانات لا يكفيان وحدهما؛ فالقيمة الحقيقية لهذه الاستثمارات ستعتمد أيضاً على مدى موثوقية البنية التحتية وقدرتها على دعم العمليات الحيوية بصورة مستمرة.

النسخة الاحتياطية وحدها لا تكفي

توزيع العمليات على أكثر من مركز بيانات أو مزود للخدمات السحابية قد يبدو كافياً للحماية من التعطل، لكن الأمر أكثر تعقيداً.

فقد توجد الأنظمة الاحتياطية في المنطقة نفسها، أو تعتمد على شبكات الطاقة والاتصالات ذاتها، وقد تتعامل الشركة مع مزودين مختلفين، بينما تعتمد خدماتهما في النهاية على أجزاء مشتركة من البنية التحتية.

لذلك، لا يكفي أن تسأل المؤسسة: هل لدينا نسخة احتياطية؟ بل يجب أن تعرف ما إذا كانت هذه النسخة قادرة فعلياً على العمل عند تعطل البنية الأساسية.

وهذا يتطلب اختبار القدرة على نقل أعباء العمل واستعادة الأنظمة وتشغيلها على بنية بديلة، بدلاً من الاكتفاء بافتراض أن وجود مزود ثانٍ أو مركز بيانات آخر يضمن استمرارية الأعمال.

وبالنسبة إلى الأنظمة الأكثر أهمية، قد يصبح توطين جزء من البيانات وقدرات الذكاء الاصطناعي داخل بنية تحتية محلية عالية الأداء خياراً استراتيجياً، وهنا يبرز مفهوم يتزايد حضوره عالمياً: الذكاء الاصطناعي السيادي.

السيادة ليست مجرد مكان تخزين البيانات

غالباً ما يرتبط الحديث عن الذكاء الاصطناعي السيادي بمكان تخزين البيانات والقوانين المنظمة لها. لكن بالنسبة إلى الشركات، هناك بُعد عملي لا يقل أهمية: من يملك القدرة على إبقاء النظام يعمل؟

لم يعد امتلاك البيانات أو التحكم في الخوارزميات كافياً إذا كانت المؤسسة تعتمد بالكامل على بنية خارجية لا تملك مرونة كافية في التعامل معها.

فالسيادة في عصر الذكاء الاصطناعي ترتبط أيضاً بقدرة المؤسسات على معرفة أين تعمل أنظمتها الحيوية، وإدارة بنيتها التحتية، ونقل أعباء العمل عند الضرورة، والوصول إلى الطاقة والشبكات والقدرات الحاسوبية اللازمة لتشغيلها.

وتُقدّر «ماكينزي» أن متطلبات السيادة قد تؤثّر في ما بين 30% و40% من الإنفاق المستقبلي للشركات والحكومات على الذكاء الاصطناعي، ما قد يخلق سوقاً عالمية تتراوح قيمتها بين 500 و600 مليار دولار بحلول عام 2030.

وفي استطلاع آخر شمل 300 من التنفيذيين والمستثمرين والمسؤولين الحكوميين، اعتبر 71% منهم الذكاء الاصطناعي السيادي إما قضية وجودية أو ضرورة استراتيجية.

وهذه الأرقام تعكس تحولاً في طريقة التفكير. فالشركات لم تعد تسأل فقط عن تكلفة الذكاء الاصطناعي أو قدرته على التوسع، بل أيضاً عن مقدار السيطرة الفعلية التي تمتلكها على التكنولوجيا التي أصبحت أعمالها تعتمد عليها.

ليس على الشركات التخلي عن السحابة

هذا لا يعني أن على كل شركة بناء مركز بيانات خاص بها أو التخلي عن الحوسبة السحابية.

المطلوب هو تحديد أهمية كل نظام وحجم الضرر المحتمل من توقفه.

فالأنظمة التي يمكنها تحمل توقف يمتد أياماً قد تعمل على البنية الأكثر كفاءة من حيث التكلفة. أما التطبيقات المهمة، فتحتاج إلى إمكانية انتقال حقيقية ومختبرة بين مناطق أو مزودين مختلفين.

وفي المقابل، فإن العدد المحدود من أنظمة الذكاء الاصطناعي التي قد يؤدي توقفها إلى تعطيل الأعمال أو الخدمات الأساسية قد يبرر مستوى أعلى من السيطرة، وربما الاعتماد على بنية تحتية محلية أو مخصصة.

بمعنى آخر، لا تحتاج جميع تطبيقات الذكاء الاصطناعي إلى المستوى نفسه من الحماية، لكن الشركات تحتاج إلى معرفة أي منها لا تستطيع تحمل فقدانه.

السؤال يصل إلى مجلس الإدارة

لم تعد هذه القضية مسؤولية قسم تكنولوجيا المعلومات وحده. فمع دخول الذكاء الاصطناعي إلى خدمة العملاء والتحليلات واتخاذ القرارات وسلاسل التوريد والخدمات المالية وغيرها من العمليات، يصبح تعطل البنية التحتية مخاطرة تجارية قبل أن يكون مشكلة تقنية.

لذلك، على مجالس الإدارات والرؤساء التنفيذيين معرفة أين تعمل أهم أنظمة الذكاء الاصطناعي لديهم، وما البنية التحتية التي تعتمد عليها، وحجم الضرر الذي قد ينتج عن توقفها.

بهذا تنتقل قضية البنية التحتية للذكاء الاصطناعي من نقاش تقني حول مراكز البيانات والسحابة إلى جزء أساسي من إدارة مخاطر الأعمال.

من سباق القدرات إلى سباق الاستمرارية

العالم لا يزال في بداية دورة استثمار ضخمة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. فأكبر أربع شركات للحوسبة السحابية فائقة النطاق أنفقت مجتمعة نحو 130 مليار دولار في الربع الأول من العام، ذهب جانب كبير منها إلى مراكز البيانات، فيما تتجه إلى إنفاق أكثر من 600 مليار دولار بحلول نهاية 2026.

هذه الاستثمارات تكشف حقيقة ربما غابت خلف الصورة الرقمية للذكاء الاصطناعي: كلما توسع الذكاء الاصطناعي، أصبح أكثر اعتماداً على بنية تحتية مادية ضخمة.

حتى الآن، كان السباق يدور حول من يمتلك النموذج الأفضل، والرقائق الأسرع، والقدرات الحاسوبية الأكبر. لكن مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى صميم الأعمال، سيصبح استمرار هذه القدرات متاحة وموثوقة جزءاً من معادلة المنافسة نفسها.

فالمرحلة المقبلة لن تُقاس فقط بمن يمتلك أقوى ذكاء اصطناعي، بل بمن يمتلك البنية التحتية القادرة على إبقائه يعمل لأن أكثر أنظمة الذكاء الاصطناعي تطوراً لا تقدم قيمة كبيرة للأعمال إذا لم تكن البنية التحتية التي تقف خلفها قادرة على الاستمرار.

تم إعداد هذه المقالة لصالح CNN الاقتصادية، والآراء الواردة فيها تمثّل آراء الكاتب فقط ولا تعكس أو تمثّل بأي شكل من الأشكال آراء أو وجهات نظر أو مواقف شبكة CNN الاقتصادية.



Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى