

في تصريحاتٍ أثارت اهتماماً واسعاً، أشاد إيلون ماسك بتحليلات كاثي وود وشركة «ARK Invest»، وقال إن النقل الذاتي يمكن أن يقود «تسلا» إلى قيمة سوقية في حدود خمسة إلى سبعة تريليونات دولار، فيما ذهب أبعد من ذلك في حديثه عن روبوت «أوبتيموس»، معتبراً أن نجاح الشركة في النقل الذاتي والروبوتات قد يرفع قيمتها إلى ما بين 20 و30 تريليون دولار. وربط ماسك ذلك صراحة بقدرة الشركة على التنفيذ، واصفاً حجم العمل المطلوب للوصول إلى ذلك بأنه هائل.
وهنا يصبح السؤال مثيراً للاهتمام، هل تستطيع شركة أن تصل إلى عشرين تريليوناً؟ وهل يمكن أن تتضاعف قيمة أكبر شركات العالم ثلاث مرات أو أربعاً، أم أنها تصطدم عند مستوى معين بسقف لا تستطيع تجاوزه، مهما تقدمت تقنياتها واتسعت أسواقها؟
السؤال هنا لا يتعلق بـ«إنفيديا» أو «تسلا» وحدهما، بل بالشركات التي تطور نماذج الذكاء الاصطناعي، وتصنع شرائحه، وتوفر قدراته الحاسوبية، وتبني تطبيقاته وروبوتاته، وتشكل أجزاء من المنظومة الاقتصادية للذكاء الاصطناعي. فمن الممكن أن نؤمن بأن هذه التقنية ستغير الاقتصاد، ثم نتوقف أمام تقييمات شركاتها ونتساءل إلى أين يمكن أن تصل؟
وقد نقع في خطأين متعاكسين. الأول أن نرفض رقماً لمجرد أنه أكبر مما اعتدناه، والثاني أن نقبله لمجرد أن الشركة تعمل في تقنية نعتقد أنها ستغير العالم. وبين هذين الخطأين تقع المسألة الحقيقية، فليست المسألة ما إذا كانت الأسواق تستطيع أن تكتب رقماً أكبر، بل ما إذا كانت الشركة تستطيع أن تنتج الأرباح التي تجعل ذلك الرقم قابلاً للاستمرار.
التريليونات ليست أموالاً في الخزينة
قبل البحث عن سقف للقيمة السوقية، علينا أن نفهم ما الذي نقيسه. فالقيمة السوقية للشركة المدرجة هي سعر سهمها مضروباً في عدد أسهمها القائمة. وهي لا تمثل الأموال الموجودة في خزائنها، ولا مجموع ما دفعه المستثمرون لشراء أسهمها. فلو فرضنا أن شركة لديها مليار سهم، وسعر السهم مئة دولار، ستبلغ قيمتها السوقية مئة مليار دولار. وإذا ارتفع السعر إلى أربعمئة دولار، أصبحت قيمتها أربعمئة مليار، لكن ذلك لا يتطلب أن يضخ المستثمرون ثلاثمئة مليار دولار إضافية في أسهمها.
ما يحدث هو أن التداولات تحدد سعراً جديداً يُستخدم لتقييم جميع الأسهم، حتى تلك التي لم يتداولها أصحابها. ولذلك يمكن أن ترتفع القيمة السوقية بمقدار يفوق كثيراً الأموال التي انتقلت فعلياً بين المشترين والبائعين. وبالتالي، فإن انتقال شركة افتراضية من خمسة تريليونات إلى عشرين تريليون دولار لا يتطلب وجود خمسة عشر تريليوناً نقداً تنتظر الدخول إليها. وفي المقابل، لا يعني ذلك أن جميع مساهميها يستطيعون بيع أسهمهم في اللحظة نفسها والحصول على السعر المعلن ذاته.
كذلك ينبغي الحذر من المقارنات التي تقول إن شركة أصبحت «أكبر من اقتصاد دولة». فالناتج المحلي الإجمالي يقيس قيمة الإنتاج خلال فترة، عادة سنة، بينما القيمة السوقية تقيس قيمة أصل في لحظة معينة. نحن نقارن مقياسين مختلفين، وليس حجمين متماثلين.
التاريخ لا يضع رقماً نهائياً
هناك أمثلة تاريخية تكشف إلى أي مدى يمكن لشركة واحدة أن تصبح ضخمة مقارنة بالسوق المحيطة بها. فبنهاية عام 2000 كانت «نوكيا» وحدها تمثل نحو 70 في المئة من إجمالي القيمة السوقية لبورصة هلسنكي.
وبلغت القيمة السوقية لشركة «أبل» تريليون دولار للمرة الأولى في الثاني من أغسطس 2018. وبعد نحو سبع سنوات فقط، تجاوزت قيمتها أربعة تريليونات دولار للمرة الأولى في 28 أكتوبر 2025. أي إن حاجز التريليون لم يكن نهاية الطريق، بل محطة استطاعت الشركة أن تضاعف قيمتها أربع مرات انطلاقاً منها. وهذا يكفي لنفي فكرة أن بلوغ حجم استثنائي يمنع، في حد ذاته، المزيد من النمو.
لكن التاريخ يقدّم الوجه الآخر أيضاً
فقد أصبحت «سيسكو»، عملاق معدات الشبكات المرتبطة ببناء البنية التحتية للإنترنت، لفترة وجيزة أكبر شركات العالم قيمة خلال طفرة الإنترنت، ثم احتاج سهمها إلى أكثر من ربع قرن كي يتجاوز أعلى إغلاق سجله في ذروة الفقاعة؛ ففي 10 ديسمبر 2025 أغلق عند 80.25 دولار، متجاوزاً أعلى إغلاق سابق له البالغ 80.06 دولار في مارس 2000. وهذه مقارنة لسعر السهم الاسمي.
لم يكن المستثمر الذي راهن على أهمية الإنترنت مخطئاً بالضرورة في فهم المستقبل، لكنه كان يستطيع أن يكون مخطئاً في السعر الذي دفعه للمشاركة فيه.
فالتاريخ لا يقدّم سقفاً ثابتاً، بل يقدّم تحذيراً من الخلط بين أهمية الشركة وجدوى الاستثمار فيها بأي سعر.
ما الذي يتطلبه تقييم بعشرين تريليوناً؟
فما حجم الأرباح الذي تفترضه قيمة سوقية تبلغ عشرين تريليون دولار؟
لو وصلت شركة إلى عشرين تريليون دولار، وقيّمها المستثمرون عند ثلاثين ضعف أرباحها السنوية، فستكون الأرباح المقابلة لهذا التقييم نحو 667 مليار دولار سنوياً.
وإذا افترضنا أن صافي أرباحها يعادل 40 في المئة من إيراداتها، فإنها ستحتاج إلى إيرادات سنوية تقارب 1.67 تريليون دولار. أما إذا كانت هوامشها أقل، فستحتاج إلى إيرادات أكبر للوصول إلى الأرباح نفسها.
وهنا تصبح الأسئلة أكثر أهمية من الرقم نفسه، فمن سيدفع هذه الإيرادات؟ مقابل ماذا؟ وكم ستكلف الشركةَ المحافظةُ على تفوقها؟ وهل تستطيع الاحتفاظ بهوامشها مع اشتداد المنافسة؟
فإذا تضاعفت أرباح شركة أربع مرات، بينما انخفض المضاعف الذي يقبل المستثمرون دفعه مقابل أرباحها إلى النصف، فلن تتضاعف قيمتها السوقية إلا مرتين. بعبارة أخرى، قد تحقق الشركة نجاحاً تشغيلياً كبيراً، ومع ذلك لا يمنح سهمها المستثمر النتيجة التي توقعها، لأن جزءاً من المستقبل ربما كان مدفوع الثمن مسبقاً.
وظهر مثال مثير لذلك في نتائج «إنفيديا» للربع الثاني من سنتها المالية 2027، المعلنة في أغسطس 2026. فقد سجلت الشركة إيرادات بلغت 96.2 مليار دولار، بزيادة 106 في المئة على أساس سنوي، وتجاوزت توقعات السوق. ومع ذلك انخفض السهم في البداية بعد إعلان النتائج، قبل أن يعكس اتجاهه بعدما قدمت الشركة أثناء مكالمة النتائج توقعات طويلة المدى أقوى مما كان المستثمرون ينتظرون.
حدود مادية وأخرى نفسية
أما القيود المادية فهي حقيقية، لكنها لا تظهر على هيئة رقم نهائي للقيمة السوقية.
فالنماذج تحتاج إلى بنية حاسوبية، ومراكز البيانات تحتاج إلى كهرباء وتبريد واتصال. وتشير وكالة الطاقة الدولية في تقريرها «الطاقة والذكاء الاصطناعي» لعام 2025 إلى أن مركز البيانات يمكن أن يدخل حيز التشغيل خلال سنتين إلى ثلاث سنوات، بينما يتطلب تطوير البنية التحتية الأوسع للطاقة فترات أطول للتخطيط والبناء.
هذا الفرق الزمني يمكن أن يؤخّر التوسع أو يرفع تكلفته. لكنه لا ينتج معادلة تقول إن شركة لا تستطيع تجاوز عشرة تريليونات دولار.
إنه يقيد سرعة تحويل الطلب المتوقع إلى أعمال فعلية، وقد يجعل سيناريو النمو خلال ثلاث سنوات أصعب بكثير من السيناريو نفسه خلال عشر سنوات.
وتوجد حدود نفسية أيضاً. فقد بينت دراسة لمالكولم بيكر وجيفري وورغلر، منشورة في «Journal of Economic Perspectives»، أن معنويات المستثمرين يمكن أن تؤثر في أسعار الأسهم، وأن الأسهم التي يصعب تقييمها أو المراجحة عليها تكون أكثر تأثراً بتقلبات تلك المعنويات.
غير أن العامل النفسي لا يعمل في اتجاه واحد. فقد يخيف رقم ضخم بعض المستثمرين، بينما يقنع آخرين بأنهم أمام فرصة لا يريدون تفويتها.
لذلك فإن القول إن تقييماً ما «أكبر من أن يكون معقولاً» ليس تحليلاً كافياً، مثلما أن القول إن الشركة «تصنع المستقبل» ليس تبريراً كافياً لسعرها.
على السوق أن يتعلم الذكاء الاصطناعي
وربما تكون المشكلة أن السوق نفسها لا تزال في مرحلة تعلم كيفية تقييم شركات الذكاء الاصطناعي. فقد احتاج المستثمرون وقتاً في بداية عصر الإنترنت لفهم أن الشركات الجديدة لا يمكن دائماً قراءتها بالأدوات نفسها التي استُخدمت مع الشركات التقليدية. لم تختفِ الأرباح والتدفقات النقدية من معادلة التقييم، لكنها لم تعد وحدها كافية لفهم شركات تنمو بسرعة وتعيد استثمار معظم أموالها بدلاً من توزيعها على المساهمين. ومع انتقال الاقتصاد الرقمي لاحقاً إلى البرمجيات كخدمة، دخلت إلى قاموس المستثمرين مؤشرات مثل الإيرادات السنوية المتكررة (ARR)، ومعدل الاحتفاظ الصافي بالعملاء، ونسبة النمو إلى التدفق النقدي التي اشتهرت باسم «قاعدة الـ40». وتشير «ماكنزي»، مثلاً، إلى أن هذه المؤشرات أصبحت من المقاييس المستخدمة لفهم قيمة شركات البرمجيات، إلى جانب المقاييس المالية التقليدية.
وقد نكون اليوم أمام عملية تعلم مماثلة مع الذكاء الاصطناعي. فربما تظهر مقاييس جديدة لاقتصاد النماذج، مثل كلفة الذكاء مقابل الأداء، ومعدل استخدام القدرة الحاسوبية، والإيراد لكل وحدة حوسبة، وقدرة الشركة على تحويل تحسن النموذج إلى إيرادات قبل أن يلحق بها المنافسون. الخطر أن يتعلم السوق ذلك بالطريقة المكلفة التي تعلم بها الإنترنت من خلال فقاعة ترفع كل شركة تحمل الوصف الجديد، ثم انهيار يفرّق لاحقاً بين التقنية التي غيرت العالم والشركة التي كانت تستحق تقييمها. والأمل أن يكون درس عام 2000 حاضراً هذه المرة، فيمكن أن تكون التقنية ثورية، فيما يكون سعر بعض الشركات مبالغاً فيه في الوقت نفسه.
عندما لا يتوافق إيقاع الابتكار مع إيقاع السوق
وثمة مشكلة أخرى أكثر خصوصية في الذكاء الاصطناعي، وهي أن إيقاع تطور المنتج لا يسير بالضرورة وفق الساعة الربع سنوية التي يقيس بها السوق أداء الشركات. فالتقارير الربعية وُجدت لتمنح المستثمرين إفصاحاً مالياً منتظماً، وليس لتحدد موعد وصول اختراق تقني. وفي الولايات المتحدة لا تزال الشركات المدرجة مطالبة حالياً بتقارير ربع سنوية، وإن كانت هيئة الأوراق المالية والبورصات قد اقترحت في مايو 2026 السماح للشركات باختيار الإفصاح نصف السنوي بدلاً منها.
أما في الذكاء الاصطناعي، فقد تقضي الشركة أشهراً تنفق مليارات الدولارات على الحوسبة والباحثين من دون أن يظهر ذلك في صورة منتج مختلف جذرياً، ثم تطلق نموذجاً واحداً يرفع الأداء أو يخفض التكلفة فجأة ويغير موقعها التنافسي خلال أسابيع. ولا يمكن مطالبة فريق بحثي بأن يصل إلى الاختراق في 30 يونيو بدلاً من 7 أغسطس حتى يتزامن مع نهاية الربع المالي. لذلك قد يصبح أداء بعض شركات الذكاء الاصطناعي أكثر قفزاً وأقل انتظاماً مما اعتاده المستثمرون. أرباع من الإنفاق الثقيل يعقبها إطلاق واحد يغير الإيرادات أو توقعات السوق بصورة كبيرة. وإذا أصر السوق على مطالبة هذه الشركات بتحسن متدرج يمكن التنبؤ به كل ثلاثة أشهر، فقد يسيء قراءة طبيعة القطاع أو، في السيناريو الأسوأ، يدفع الإدارات نفسها إلى تقديم توقيت الأسواق على توقيت الابتكار. وقد حذرت دراسات سابقة من أن الضغط لتحقيق التوقعات الربعية يمكن أن يشجع الشركات على التركيز المفرط على النتائج قصيرة الأجل على حساب الاستثمارات طويلة المدى.
الزمن سيكون جزءاً من الإجابة
يتطلب ارتفاع القيمة السوقية لشركة إلى أربعة أمثالها خلال خمس سنوات نمواً مركباً يقارب 32 في المئة سنوياً. أما الوصول إلى النتيجة نفسها خلال عشر سنوات، فيتطلب نحو 14.9 في المئة سنوياً.
والفارق بين الحالتين كبير، حتى لو كانت القيمة النهائية واحدة.
كما أن مقارنة قيمة شركة محتملة بعد عشر سنوات بحجم السوق اليوم قد تكون مضللة. فإذا نما الاقتصاد واتسعت الأسواق خلال تلك الفترة، فإن الحجم النسبي للشركة سيكون مختلفاً عما توحي به المقارنة الثابتة.
والأرقام الاسمية وحدها لا تخبرنا كم يعود من الزيادة إلى نمو حقيقي، وكم يعود إلى تغير الأسعار والتضخم.
لا يعني ذلك أن المستقبل سيبرر تلقائياً أي تقييم، بل يعني أن الحكم يحتاج إلى حجم الأرباح، واستدامتها، والزمن المطلوب لتحقيقها، لا إلى الرقم النهائي وحده.
في المحصلة، لا يوجد رقم سحري يمكن اعتباره سقفاً دائماً لقيمة شركات الذكاء الاصطناعي. لكن غياب السقف الثابت لا يعني غياب الحدود الاقتصادية. فلكل تقييم افتراضاته، ولكل افتراض اختبار في العالم الحقيقي.
قد يغير الذكاء الاصطناعي الاقتصاد على نطاق يتجاوز توقعاتنا، وقد تظهر شركات بأحجام لم نعتد تصورها. لكن ذلك لا يضمن أن تكون الشركات المتصدرة اليوم هي المستفيد الأكبر غداً، ولا أن يحتفظ الموردون بمعظم المكاسب، ولا أن يكون أي سعر ندفعه اليوم مناسباً.
تم إعداد هذه المقالة لصالح CNN الاقتصادية، والآراء الواردة فيها تمثّل آراء الكاتب فقط ولا تعكس أو تمثّل بأي شكل من الأشكال آراء أو وجهات نظر أو مواقف شبكة CNN الاقتصادية.




