شؤون عربية ودولية

قصة أبوظبي مع رحلة المستثمر.. من قرار الاستثمار إلى التشغيل الفعلي : CNN الاقتصادية



في المدن التي تنافس على الاستثمار العالمي، لا تبدأ العلاقة الحقيقية مع المستثمر عند إصدار الرخصة، ولا تنتهي عند تأسيس الشركة، بل تبدأ منذ اللحظة التي يفكر فيها المستثمر باختيار أبوظبي، وتستمر حتى يصبح مشروعه جاهزاً للتشغيل، ويوظف، وينتج، ثم يقرر أن يتوسع ويستثمر من جديد.

ومن هنا يمكن فهم قصة أبوظبي مع رحلة المستثمر.

إنها قصة انتقلت تدريجياً من تسهيل الإجراءات إلى إعادة تصميم الرحلة كاملة، ومن رقمنة الخدمات إلى تكاملها، ومن قياس سرعة إصدار الرخصة إلى طموح أكبر يتمثل في اختصار المسافة بين قرار الاستثمار وأول يوم تشغيل فعلي.

وخلال السنوات الماضية، عملت حكومة أبوظبي على بناء بيئة أعمال أكثر تنافسية ومرونة، فيما تواصل دائرة التنمية الاقتصادية – أبوظبي، بالتعاون مع الجهات الحكومية والشركاء من القطاع الخاص، تطوير رحلة المستثمر بصورة مستمرة.

والفكرة هنا تتجاوز تحسين خدمة واحدة، فالمستثمر يرى رحلة واحدة، وما ينتظره في نهايتها ليس مجرد وثيقة أو موافقة، بل هو مشروع قادر على فتح أبوابه وممارسة نشاطه.

من تبسيط الإجراءات إلى إعادة تصميم الرحلة

في السنوات الأخيرة، قادت دائرة التنمية الاقتصادية – أبوظبي، بالتعاون مع الجهات الحكومية والشركاء، جهوداً واسعة لتبسيط ممارسة الأعمال. ومن أبرز ما تحقق خفض متطلبات بدء الأعمال التجارية بنسبة 71%، وإلغاء أكثر من 20 ألف متطلب، إلى جانب خفض رسوم تأسيس وتجديد رخص الأعمال بنسبة 93% لتصل إلى ألف درهم.

ولا تكمن أهمية هذه الأرقام في حجمها فقط، بل في أثرها على المستثمر: وقت أقل، وتكلفة أقل، وإجراءات أبسط. فكل متطلب غير ضروري يتم الاستغناء عنه يعني وقتاً يعود إلى المستثمر، وكل تكامل بين جهتين يعني خطوة لا يضطر إلى القيام بها بنفسه.

لكن المرحلة التالية من التطوير تتطلب النظر إلى الرحلة كوحدة واحدة: كم تستغرق؟ كم إجراءً ومستنداً تتطلب؟ كم مرة يقدّم المستثمر المعلومة نفسها؟ وأين يمكن دمج الإجراءات أو تنفيذها من خلال التكامل بين الجهات؟

فالتحسين الحقيقي ليس فقط في رقمنة الإجراء، بل في السؤال أولاً: هل نحتاج إلى هذا الإجراء أصلاً؟ وهل يمكن تبسيطه أو دمجه؟

وجاءت «رحلة المستثمر» التي أطلقتها دائرة التنمية الاقتصادية – أبوظبي عبر منظومة خدمات أبوظبي الحكومية الموحدة «تم» لتعكس هذا التوجه، عبر تجربة تبدأ من استكشاف الفرص الاستثمارية وتمتد إلى ممارسة النشاط.

وهنا يظهر تحول مهم: من إدارة المعاملة إلى إدارة رحلة المستثمر.

من الرخصة إلى التشغيل

وتعكس المؤشرات الحديثة حيوية بيئة الأعمال في الإمارة. ففي الربع الأول من 2026، ارتفع عدد الرخص الاقتصادية الجديدة بنسبة 21% مقارنة بالفترة نفسها من 2025، وارتفع عدد الرخص الفعالة بنسبة 12%، كما دخلت 34 منشأة صناعية جديدة مرحلة التشغيل الكامل.

وهنا تبرز كلمة «التشغيل».

فالمستثمر لا يأتي إلى أبوظبي للحصول على رخصة في حد ذاتها، بل لتحويل رأس المال والفكرة إلى مشروع يعمل وينتج وينمو.

وقد تصدر الرخصة بسرعة، لكن إذا بقي المستثمر بعدها أمام سلسلة طويلة من الموافقات والمتطلبات والزيارات، فإن الرحلة الاقتصادية لم تنتهِ بعد.

ومن هنا يمكن أن يتطور مفهوم سهولة ممارسة الأعمال من سرعة إنجاز المعاملة إلى سرعة إنجاز الأعمال. فبدلاً من أن يكون السؤال فقط: كم يستغرق إصدار الرخصة؟ يصبح السؤال الأشمل: كم تستغرق المسافة بين قرار الاستثمار وأول يوم تشغيل؟

وهنا يأتي مفهوم Time to Operate؛ فاختصار هذه المسافة يعني تكاليف انتظار أقل، ووصولاً أسرع إلى السوق، وبدء الإيرادات في وقت أقرب، وتحويل رأس المال بصورة أسرع إلى نشاط اقتصادي منتج.

منظومة تتكامل خلف الكواليس

أحد أهم التحولات في رحلة المستثمر هو انتقال عبء التنسيق تدريجياً من المستثمر إلى المنظومة نفسها.

فبدلاً من أن يتعامل المستثمر مع جهات ومنصات متعددة، ويقدّم معلومات متشابهة أكثر من مرة، يمكن أن تتجه الرحلة نحو مبدأ أبسط: يقدم المستثمر بياناته ومتطلباته الأساسية، وتتولى الجهات التكامل فيما بينها لإنجاز ما يمكن إنجازه خلف الكواليس.

وهنا تبرز أهمية التكامل الإلكتروني وتبادل البيانات والمستندات وفق الأطر المنظمة، وتنسيق عمليات التفتيش والزيارات متى كان ذلك ممكناً، وتعزيز الربط بين الجهات المحلية والاتحادية.

فبالنسبة للمستثمر، هناك وجهة واحدة هي أبوظبي.

ولا يعتمد تشغيل المشروع على الحكومة وحدها؛ فالمستثمر يحتاج أيضاً إلى البنوك وشركات التأمين والاتصالات وغيرها من الخدمات. لذلك، فإن تكامل رحلة المستثمر مع القطاع الخاص يمثل انتقالاً من تكامل الخدمات الحكومية إلى تكامل منظومة ممارسة الأعمال.

كما أن العلاقة لا تنتهي عند أول يوم تشغيل. وهنا يبرز مفهوم رعاية المستثمر؛ من جذب الاستثمار وتأسيس المشروع إلى دعم استمراريته ونموه وتوسعه وإعادة الاستثمار.

وتقدّم منصة «شراكة» إلى دائرة التنمية الاقتصادية مثالاً عملياً؛ فحتى نهاية أبريل 2026، تمت تسوية 191 مطالبة من أصل 192 مطالبة معتمدة، بنسبة 99.5%، وبقيمة تراكمية تجاوزت 1.07 مليار درهم، بما يدعم السيولة واستمرارية الأعمال والقدرة على النمو.

من تجربة المستثمر إلى شعور المستثمر

لكن رحلة المستثمر في أبوظبي لا تُقاس بالوقت والتكلفة وحدهما. فهناك بُعد آخر يمكن تسميته Investor Feeling، أو شعور المستثمر تجاه تجربته.

دائرة التنمية الاقتصادية لا تعتبر نجاح الرحلة فقط بإنجاز الإجراءات بسرعة، بل أن يشعر المستثمر بالوضوح والثقة وسهولة التعامل، وأن يعرف ما المطلوب منه، وما الخطوة التالية، والمدة المتوقعة، وأن يشعر بأن الجهات المختلفة تعمل أمامه كمنظومة واحدة.

وهذا الشعور له قيمة اقتصادية. فكلما كانت الرحلة أكثر وضوحاً وقابلية للتوقع، أصبح المستثمر أكثر قدرة على التخطيط لرأس المال، والتوظيف، والتعاقد، وتحديد موعد التشغيل واتخاذ قرارات النمو والتوسع.

ومن هنا يمكن اختصار نجاح رحلة المستثمر في سؤالين: ماذا أنجز المستثمر؟ وكيف شعر أثناء الرحلة؟

رحلة تتحسن باستمرار

والأهم ألا يكون تطوير رحلة المستثمر مشروعاً مؤقتاً. فالاقتصاد يتغير، والتقنيات تتطور، ونماذج الأعمال الجديدة تظهر باستمرار، وبالتالي تحتاج المتطلبات والإجراءات نفسها إلى مراجعة دورية.

ومن هنا تأتي أهمية نموذج مستدام يقوم على قياس الرحلة، وتحديد فرص التحسين، وتنفيذها، وقياس أثرها، ثم توسيع التجربة إلى قطاعات ورحلات أخرى.

ويفتح الذكاء الاصطناعي أمام أبوظبي فرصة لجعل هذه الرحلة أكثر ذكاءً واستباقية. فاستراتيجية حكومة أبوظبي الرقمية 2025–2027 مدعومة باستثمارات تبلغ 13 مليار درهم، وتتضمن التوسع في رقمنة وأتمتة العمليات الحكومية وتطبيق أكثر من 200 حل مدعوم بالذكاء الاصطناعي.

وبالنسبة للمستثمر، لن تكون القيمة الأكبر للذكاء الاصطناعي في مجرد الحصول على إجابة أسرع، بل في تقليل حاجته إلى السؤال من الأساس؛ من خلال فهم طبيعة نشاطه، وتوجيهه إلى المسار المناسب، وتقليل تكرار البيانات، واستباق نقاط التعثر.

وقد أسهمت «تم 3.0» في خفض الزيارات الحضورية للمتعاملين بنسبة 90%، فيما أصبحت أكثر من 73% من المعاملات فورية.

وهكذا يمكن أن تنتقل رحلة المستثمر تدريجياً من نموذج يقول: «اذهب إلى كل جهة وأنهِ إجراءاتك»، إلى نموذج أكثر تكاملاً يقول: «قدّم طلبك، والمنظومة تتكامل داخلياً لإنجاز رحلتك بأسرع وأكثر الطرق وضوحاً وكفاءة».

نجاح المستثمر جزء من نجاح أبوظبي

إن ما تحقق في أبوظبي من تبسيط للمتطلبات، وخفض للتكلفة، ورقمنة للخدمات، وتعزيز للتكامل ودعم للقطاع الخاص، يوفر قاعدة قوية للمرحلة التالية من رحلة المستثمر.

والقيمة الأهم لهذه الجهود تظهر في أثرها المباشر عليه: وقت أقل، وإجراءات ومستندات أقل، ورحلة أوضح، ووصول أسرع إلى التشغيل.

فالمدن قد تتنافس على سرعة إصدار الرخص، لكن المنافسة الأعمق ستكون على سرعة تحويل قرار الاستثمار إلى مشروع يعمل وينمو، وعلى قدرة المنظومة بأكملها على جعل الطريق إلى ذلك أكثر وضوحاً وتكاملاً وقابلية للتوقع.

ولعل الرسالة التي تختصر هذا التوجه هي:

«تعال إلى أبوظبي لبناء مشروعك؛ فهناك منظومة حكومية وشركاء يعملون باستمرار على جعل الطريق من قرار الاستثمار إلى التشغيل والنمو أكثر سهولة ووضوحاً وتكاملاً».

وهذه هي قصة أبوظبي مع رحلة المستثمر: قصة بدأت بإزالة التعقيد، وتطورت بالتكامل والرقمنة والشراكة، وتتقدم اليوم نحو هدف أكبر؛ أن يكون نجاح المستثمر جزءاً من نجاح أبوظبي نفسها.



Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى