اقتصاد الحرب في الشرق الأوسط.. من يخسر أولاً ومن يعيد التموضع؟ : CNN الاقتصادية


حين تندلع المواجهات العسكرية في الشرق الأوسط، لا تنتظر الأسواق نتائجها السياسية، فالمستثمرون يعيدون تسعير المخاطر فوراً، وتتحرك أسعار النفط والعملات والأسهم خلال ساعات. لكن السؤال الأهم ليس كم سيرتفع النفط؟ بل من سيتحمل الكلفة الاقتصادية أولاً؟ ومن سينجح في إعادة التموضع؟
الاقتصاد العالمي يدخل هذه المرحلة وهو أصلاً في حالة هشاشة. ووفقاً لمنظمة التجارة العالمية، يُتوقع أن يتباطأ نمو تجارة السلع العالمية إلى نحو 0.5% عام 2026، مقارنة بـ2.4% في 2025. هذا التراجع يعكس حساسية سلاسل الإمداد العالمية للصدمات الجيوسياسية، وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وتزايد حالة عدم اليقين في السياسات التجارية. في بيئة كهذه، يصبح أي تصعيد في الشرق الأوسط عاملاً مضاعفاً للمخاطر.
أول من يخسر عادةً هم الاقتصادات الأكثر انكشافاً على الطاقة والاستيراد. الدول المستوردة للنفط في المنطقة تواجه ضغطاً فورياً في حال ارتفاع الأسعار، إذ تتضخم فاتورة الاستيراد، وتتعرض العملات المحلية لضغوط، ويتسع عجز الموازنات. كما أن ارتفاع تكاليف النقل والتأمين ينعكس مباشرة على أسعار الغذاء والسلع، ما يزيد الضغوط التضخمية ويضع الحكومات أمام خيارات صعبة بين الدعم أو التقشف.
الأسواق المالية أيضاً تتفاعل سريعاً.. رؤوس الأموال قصيرة الأجل تميل إلى الخروج من البيئات عالية المخاطر، وتتجه نحو الملاذات الآمنة. هذا لا يعني انهياراً شاملاً، لكنه يعني ارتفاع كلفة التمويل وتراجع شهية الاستثمار، خصوصاً في الاقتصادات التي تعتمد على التدفقات الأجنبية.
في المقابل، تبدو الصورة أكثر تعقيداً في دول الخليج المصدّرة للطاقة. على المدى القصير، قد تستفيد هذه الدول من ارتفاع أسعار النفط والغاز، ما يعزّز الإيرادات الحكومية والفوائض المالية. غير أن هذه المكاسب ليست ضمانة طويلة الأجل. فاستمرار التوتر قد يؤدي إلى تباطؤ عالمي أوسع، ما يضغط لاحقاً على الطلب على الطاقة ويؤثر في الاستثمارات غير النفطية.
غير أن الفارق الحقيقي يظهر في قدرة بعض الدول على إعادة التموضع. الاقتصادات التي استثمرت خلال العقد الماضي في التنويع الاقتصادي، والبنية التحتية المتقدمة، والخدمات اللوجستية، تملك اليوم هامش مناورة أكبر. فالشركات العالمية لا تغادر المنطقة بالكامل عند الأزمات، بل تعيد توزيع عملياتها داخلها. الدول التي تقدّم استقراراً مؤسسياً ووضوحاً تنظيمياً تصبح مراكز بديلة لإدارة الأعمال.
التوترات الحالية تسرّع أيضاً عملية بدأت منذ جائحة كورونا: إعادة تشكيل سلاسل الإمداد. الشركات الكبرى تسعى إلى تقليل التركّز الجغرافي للإنتاج، وتبحث عن مراكز قريبة من الأسواق الرئيسية وقادرة على العمل في بيئة مستقرة نسبياً. هذا يفتح نافذة فرصة لدول تمتلك موانئ حديثة، ومناطق صناعية متكاملة، واتفاقيات تجارية واسعة، وبنية رقمية متطورة.
كما أن الصراع لا يعيد توزيع الاستثمارات فقط، بل يعيد توزيع التحالفات الاقتصادية. فالدول الكبرى تسعى إلى تقليل اعتمادها على الممرات الحساسة، وتعزيز الشراكات مع اقتصادات إقليمية قادرة على توفير الاستقرار والإمدادات البديلة. وهذا يعني أن الشرق الأوسط لا يواجه مجرد أزمة ظرفية، بل لحظة اختبار لموقعه في النظام الاقتصادي العالمي، بين دور تقليدي كمصدر للطاقة ودور متقدم كمركز إنتاج وخدمات ولوجستيات.
إعادة التموضع لا تعني فقط جذب الاستثمارات، بل توجيهها بذكاء. فالفارق بين دولة تستفيد مؤقتاً من ارتفاع الأسعار، وأخرى تبني موقعاً دائماً في الخريطة الاقتصادية الجديدة، يكمن في نوعية السياسات. الاستثمار في التصنيع المحلي، وتعزيز الأمن الغذائي، وتوسيع الشراكات التجارية خارج الدوائر التقليدية، كلها عناصر تقلل الهشاشة أمام الصدمات.
كما أن الانضباط المالي يظل عاملاً حاسماً. في أوقات التوتر، تصبح الثقة هي الأصل الأكثر قيمة. الدول التي تحافظ على استقرار تشريعي وشفافية تنظيمية وقدرة على تنفيذ السياسات، تحافظ على جاذبيتها حتى في ظل المخاطر. أما الاقتصادات التي تعاني من هشاشة مالية أو غموض تنظيمي، فتجد نفسها أول المتأثرين وأصعبهم تعافياً.
الحروب لا تعيد توزيع الأرباح فقط، بل تعيد توزيع النفوذ الاقتصادي. ومع تباطؤ التجارة العالمية إلى مستويات متدنية كما تشير توقعات منظمة التجارة العالمية، يصبح النمو النسبي في أي اقتصاد أكثر أهمية من حجمه المطلق. في عالم ينمو ببطء، من يحافظ على الاستقرار ويستبق التحولات يكسب موقعاً أكبر مما كان عليه قبل الأزمة.
في النهاية، اقتصاد الحرب لا ينتج رابحين مطلقين، بل يعيد ترتيب الخاسرين والمتأقلمين. أول من يخسر هو الأكثر هشاشة واعتماداً على الخارج، وأول من يعيد التموضع هو من استثمر مسبقاً في التنويع والاستقرار المؤسسي. وفي شرق أوسط يعاد رسمه اقتصادياً تحت ضغط الجغرافيا والسياسة، قد يكون الفرق بين الخسارة والفرصة مسألة إدارة، لا مسألة موارد فقط.
تم إعداد هذه المقالة لصالح CNN الاقتصادية، والآراء الواردة فيها تمثّل آراء الكاتب فقط ولا تعكس أو تمثّل بأي شكل من الأشكال آراء أو وجهات نظر أو مواقف شبكة CNN الاقتصادية.




