

تعاني المملكة المتحدة مما لا يُمكن بوصفه إلّا بـ«لعنة البريكست». ويعود التغيير المتكرر لرؤساء وزراء المملكة المتحدة منذ استفتاء عام 2016 إلى الانقسامات السياسية العميقة والتداعيات الاقتصادية والهيكلية المستعصية التي أحدثها البريكست، والتي جعلت الحكم لفترة كاملة شبه مستحيل.
فلم يُكمل أي زعيم ولاية كاملة منذ ديفيد كاميرون، حيث غادرت تيريزا ماي، وبوريس جونسون، وليز تروس، وريشي سوناك مناصبهم قبل الأوان بسبب الخلافات الناجمة عن تنفيذ نتيجة الاستفتاء والتبعات الاقتصادية الوخيمة التي ألمّت بالاقتصاد البريطاني والأسر البريطانية
على سبيل المثال، فمن أوائل عام 2026، تشمل الآثار الاقتصادية ما يلي: انخفاض كثافة التجارة، وركود الاستثمار المستمر، ونقص في سوق العمل.
تراجع النفوذ الاقتصادي
فقدت المملكة المتحدة مكانتها مركزاً استثمارياً أوروبياً رئيسياً، حيث خسرت لندن شركات الخدمات المالية والقيود المالية.
أدّت الضربة الاقتصادية الناجمة عن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، التي تفاقمت بسبب جائحة كوفيد-19 والضغوط التضخمية، إلى الحد من قدرة الحكومة على الإنفاق لتحقيق النمو..
لماذا تُعدّ «الحلول» مستحيلة سياسياً؟
الانضمام مجدداً إلى السوق الموحدة/الاتحاد الجمركي
يُنظر إلى هذا الأمر على أنه مستحيل سياسياً بالنسبة للأحزاب الرئيسية، لأنه يتطلب تبنّي قواعد الاتحاد الأوروبي دون أن يكون لها رأي في وضعها، وهو أمر ذو تبعات سياسية خطيرة ولا أحد مستعد أن يعترف بأن الانسحاب كان خاطئاً.
الاختلاف التنظيمي مقابل التوافق
إن اختيار التوافق مع لوائح الاتحاد الأوروبي (لدعم التجارة) يُثير استياء مؤيدي خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، بينما يؤدي الاختلاف إلى تكديس الإجراءات البيروقراطية التي غالباً ما تزيد تكاليف الشركات التي تُتاجر مع الاتحاد الأوروبي.
من مايو 2026، تدرس حكومة كير ستارمر إمكانية تعزيز العلاقات الاقتصادية، وتقدّم بريطانيا بعض الحلول مثل تخفيف القيود التجارية وإبرام اتفاقية تنقل الشباب، لكنها تفعل ذلك على مضض لتجنب إعادة فتح النقاش الحاد الذي أعقب الاستفتاء
لا يمكن وصف الضرر الاقتصادي إلّا بأنه «عبء» على الاقتصاد، وليس انهياراً مفاجئاً، ما يسهل على القادة السياسيين تجنب معالجة الأسباب الجذرية بشكلٍ مباشر، ويزيد صعوبة التوصل إلى حل حقيقي. لكن في الواقع، لا يوجد حل فعلي.
كيف يُمكن إيجاد حل في ظل ما فرضه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي من حواجز وقيود مع شريكك التجاري الرئيسي الذي تُجري معه ما يقارب 50% من تجارتك وخدماتك؟
والآن، حلّت لعنة البريكسيت نفسها على السير كير ستارمر، ويواجه الآن دعوات متزايدة للاستقالة، بعد أقل من عامين من فوزه بأكبر أغلبية في التاريخ الحديث للانتخابات البريطانية بحصوله على 411 مقعداً من أصل 650 في مجلس العموم.
لكنني لا أعتقد أن تغير شخص رئيس الوزراء هو الحل، حيث أعتقد أنه لا يوجد رئيس وزراء بريطاني من أي حزب قادر على حل المشكلات الاقتصادية والهيكلية التي تسبب بها خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ولا يمكن لأحد أن يُصلح ما أفسده هذا الخروج ويحسّن الأمور، ويجب أن يُقال للشعب البريطاني الحقيقة، وهي أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي كان خطأً، وأن مستقبلنا مع أوروبا، وعلينا أن نبقى معها.
أولئك الذين صوّتوا لصالح خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست) يدركون الآن خطأهم، وأن جميع الوعود التي قُطعت لهم بتحسن أوضاعهم الاقتصادية وتطور الخدمات الصحية وغيرها من الوعود الوردية كانت زائفة ولا أساس لها من الصحة.
لذا من غير شك، تحتاج المملكة المتحدة إلى قائد قادر على مواجهة الشعب البريطاني وإخباره بأن هذه فرصته مجدداً للتصويت، مرة أخيرة وبشكل نهائي، ليقرر ما إذا كان يريد العودة إلى الاتحاد الأوروبي أو تأكيد الخروج منه، خاصة بعد أن رأى الناخب ما فعله الخروج من الاتحاد الأوروبي بالبلاد وبغلاء المعيشة للأسر البريطانية.
ولكن أعتقد لتجنب المشكلات التي سببها استفتاء بريكست عام 2016، عندما اختار الناخبون الخروج بفارق ضئيل بنسبة 52% مقابل 48%، ينبغي للمملكة المتحدة وضع حد أدنى للتصويت بنسبة 60% على الأقل لنجاح الاستفتاء، كما يمكن أن تنص المعاهدة التي تعيد بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي على شروط الانسحاب في حال رغبتها في الانسحاب مرة أخرى، بشرط أن يتطلب الخروج أيضاً أغلبية 60%، وهذا من شأنه أن يطمئن الاتحاد الأوروبي بأن المملكة المتحدة لن تتراجع وتعود بشكل متكرر.
لكن يبقى السؤال مطروحاً: ألم يوجد في بريطانيا رجل حكيم؟ من يجرؤ على اتخاذ مثل هذه الخطوة الجريئة؟
تم إعداد هذه المقالة لصالح CNN الاقتصادية، والآراء الواردة فيها تمثّل آراء الكاتب فقط ولا تعكس أو تمثّل بأي شكل من الأشكال آراء أو وجهات نظر أو مواقف شبكة CNN الاقتصادية.




