

تخيّل أن هاتفك يتصفّح بريدك الإلكتروني ويحجز لك موعداً عند الطبيب ويتواصل مع شركة التأمين، كل ذلك من دون أن تلمس الشاشة.
هذا ليس خيالاً علمياً، بل هو بالضبط ما تسعى «غوغل» إلى تحقيقه عبر الرؤية التي تتبناها لمستقبل هواتف أندرويد، حيث تتحول الأجهزة من أدوات تنتظر أوامر المستخدم خطوة بخطوة إلى مساعدين أذكياء يفهمون الهدف وينفذون المهام تلقائياً.
وتراهن الشركة على أن هذا التحول قد يغير علاقتنا بالهواتف الذكية، ليس من خلال زيادة الوقت الذي نقضيه أمام الشاشات، وإنما عبر تقليله، بعدما يصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على إنجاز المهام المتكررة بدلاً من المستخدم.
غوغل تكشف ملامح مستقبل هواتف أندرويد
تأتي أحدث هواتف Google Pixel 11 في مقدمة هذا التحول، مع مجموعة من الميزات التي تكشف اتجاه غوغل نحو جعل الذكاء الاصطناعي جزءاً أساسياً من طريقة استخدام الهاتف.
ومن أبرز هذه الميزات ظهور ضوء جديد في الجزء الخلفي من هاتف Pixel 11 Pro عندما يكون مساعد الذكاء الاصطناعي Gemini بصدد معالجة أمر أو إرسال استجابة.
الفكرة تبدو بسيطة، لكنها تستهدف مشكلة مهمة: كيف يعرف المستخدم أن الهاتف استمع إلى طلبه وأن الذكاء الاصطناعي يعمل على تنفيذه؟
وبدلاً من إجبار المستخدم على النظر إلى الشاشة باستمرار، يوفر الهاتف إشارة مرئية توضح أن Gemini يعالج الطلب.
ولا يقتصر التحول نحو الذكاء الاصطناعي الوكيل على الهواتف، بل يمتد إلى المؤسسات، إذ يرى آشيش كوشي، الرئيس التنفيذي لشركة «إنسبشن42» التابعة لمجموعة G42، في مقابلة سابقة مع «CNN الاقتصادية»، أن الفارق الأساسي هو انتقال الذكاء الاصطناعي من تقديم الإجابات إلى تنفيذ المهام.
ويشير كوشي إلى أن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي الوكيل تظهر عندما يرتبط بسير عمل كامل وعائد يمكن قياسه، سواء من خلال خفض التكلفة أو توفير الوقت أو تقليل المخاطر.
الذكاء الاصطناعي ينفذ المهام بدلاً منك
أوضح سمير سامات، رئيس منظومة أندرويد في شركة غوغل لـCNN، أن رؤية الشركة تقوم على أن يُعبّر المستخدم عن هدفه فحسب، ثم يتولّى النظام التنفيذ من تلقاء نفسه.
وضرب مثالاً عملياً: وكيل الذكاء الاصطناعي قد يتمكّن مستقبلاً من مراجعة ملاحظات زيارة الطبيب، والتواصل مع شركة التأمين للاستفسار عن التغطية، ثم حجز موعد لإجراء فحص بالرنين المغناطيسي، كل ذلك دفعة واحدة ومن دون تدخّل المستخدم.
هذا السيناريو لا يزال في مرحلة التطوير، لكنه يعكس الاتجاه الذي تسير فيه «غوغل» لنظام «آندرويد» الذي يشغّل أكثر من 70% من الهواتف الذكية حول العالم.
ما ميزة Halo في أندرويد؟
تعمل غوغل أيضاً على ميزة جديدة لنظام أندرويد تحمل اسم Halo، ومن المقرر إطلاقها في وقت لاحق من العام.
وتسمح الميزة للمستخدم بمتابعة تقدم وكيل الذكاء الاصطناعي أثناء تنفيذ مهمة معينة، ما يقدم تصوراً أوضح عن الإجراءات التي ينفذها النظام بدلاً من ترك المستخدم في حالة انتظار دون معرفة ما يحدث في الخلفية.
ويعكس ذلك تحولاً مهماً في تصميم أنظمة التشغيل، إذ لا يقتصر دور الذكاء الاصطناعي على تقديم إجابة، بل يمتد إلى تنفيذ سلسلة من الإجراءات للوصول إلى النتيجة المطلوبة.
أداة «Rambler» للتحويل الصوتي الذكي
في إطار التحوّل نحو التفاعل الصوتي، تُطلق «غوغل» أداة «Rambler» التي تُحوّل الكلام العفوي إلى نصوص مُنقّحة ورسائل بريد إلكتروني واضحة، مع إزالة التلعثم والتعبيرات المتكررة وعبارات الحشو تلقائياً.
هل تقلل هذه التقنيات وقت استخدام الهاتف؟
المفارقة أن مستقبل الهواتف الأكثر اعتماداً على الذكاء الاصطناعي قد يعني وقتاً أقل أمام الشاشة؛ فبدلاً من الانتقال بين البريد الإلكتروني والتقويم والمتصفح والرسائل والتطبيقات المختلفة لإكمال مهمة واحدة، يمكن للمستخدم إعطاء أمر واحد وترك الذكاء الاصطناعي يتولى بقية التفاصيل.
ويرى سامات أن توفير خمس أو عشر أو حتى 30 دقيقة يومياً يمكن أن يمنح المستخدم وقتاً إضافياً لأشياء أخرى بعيداً عن الهاتف.
وهنا تكمن الفكرة الأساسية التي تراهن عليها غوغل: الهاتف الأكثر ذكاءً ليس بالضرورة الهاتف الذي تستخدمه أكثر، بل الذي تحتاج إلى التعامل معه أقل.
سباق الذكاء الاصطناعي يصل إلى الهواتف
لا تقتصر المنافسة على غوغل، إذ تتجه كبرى شركات التكنولوجيا إلى تطوير مساعدين قادرين على تنفيذ مهام حقيقية عبر الهواتف.
«سامسونغ» تتعاون مع «غوغل» لدمج «جيميني» على نطاق واسع في برمجيات أجهزتها، ما يعني وصول هذه القدرات إلى قاعدة مستخدمين أوسع بكثير.
وتستعد «أبل» لإطلاق نسخة مُعاد بناؤها بالكامل من «سيري» مدعومة بنماذج الذكاء الاصطناعي من «غوغل» نفسها، وهو ما يضع الشركتين في موقف غير مألوف: تتنافسان على الأجهزة بينما تتشاركان في التقنية الأساسية.
وفي الجهة الأخرى أطلقت «أوبن إيه آي» تحديثاً كبيراً لـ«تشات جي بي تي» يجعل المحادثة الصوتية معه أكثر طبيعية، في محاولة لتوسيع حضورها خارج نطاق المتصفّح.
هل يثق المستخدمون في وكلاء الذكاء الاصطناعي؟
رغم الحماس المتزايد لهذه التقنيات، فإن انتشارها يواجه عقبة أساسية تتمثل في ثقة المستخدم.
فوفقاً لاستطلاع مركز «بيو» للأبحاث الصادر في يونيو 2026، يرى 40% من الأميركيين أن الذكاء الاصطناعي سيكون له تأثير سلبي على المجتمع خلال العشرين عاماً المقبلة، مقابل 16% فقط يتوقعون تأثيراً إيجابياً.
واللافت أن الفئة العمرية الأكثر تشاؤماً هي الشباب دون الثلاثين، إذ يرى 48% منهم أن التأثير سيكون سلبياً.
أما استطلاع جامعة بنتلي وغالوب الصادر في يوليو 2026، فيُظهر أن 73% من الأميركيين لا يثقون كثيراً أو لا يثقون إطلاقاً في الشركات لاستخدام الذكاء الاصطناعي بطريقة مسؤولة.
كما يتوقع 79% منهم أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى تقليص فرص العمل خلال العقد المقبل.
وفي النهاية، لا يزال من المبكر معرفة ما إذا كانت تقنيات غوغل ستفي بوعودها، أو ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيقلل فعلاً الوقت الذي يقضيه المستخدمون على هواتفهم.
وقال سمير سامات لشبكة CNN إن الأهم ليس التكنولوجيا نفسها، بل مدى فائدتها للمستخدم، مضيفاً: «بدلاً من الحديث عن التكنولوجيا، أعتقد أن أحد الأمور التي ركزنا عليها بشكل أكبر هو… كيف تساعدك فعلياً؟».




