شؤون عربية ودولية

احتجاز الكربون.. التقنية التي لم تعد تحتمل الانتظار : CNN الاقتصادية



تسهم الصناعات كثيفة الانبعاثات، التي تقوم عليها مقومات الحياة الحديثة، وفي مقدمتها النفط والغاز، والحديد والصلب، والإسمنت والخرسانة، والألمنيوم والكيماويات، بنحو 40 في المئة من إجمالي انبعاثات غازات الدفيئة عالميًا، وبما يقارب 85 في المئة من انبعاثات قطاع التصنيع حول العالم. غير أن خفض الانبعاثات في هذه القطاعات لا يمكن أن يتحقق من خلال تحسين كفاءة الطاقة والتحول إلى الكهرباء النظيفة وحدهما.

تطلق عمليات التكرير وصناعات الكيماويات والحديد والصلب والأسمنت والألمنيوم غاز ثاني أكسيد الكربون نتيجة تفاعلات كيميائية متأصلة في طبيعة الإنتاج نفسها. وبالتالي، لا يشكل استبدال الوقود الأحفوري بمصادر طاقة نظيفة لتشغيل العمليات الصناعية في هذه القطاعات سوى جزء من الحل.

وهنا يبرز السؤال الأهم: كيف يمكن لاحتجاز الكربون، إذا طُبق بالشكل الصحيح، أن يحدث فرقًا حقيقيًا؟

فجوة المعرفة في احتجاز الكربون

لا يمثل احتجاز الكربون حاليًا سوى أقل من 0.2 في المئة من إجمالي انبعاثات ثاني أكسيد الكربون عالميًا. وبمعنى آخر، مقابل كل 600 طن من ثاني أكسيد الكربون تطلقها الصناعات الثقيلة في الغلاف الجوي سنويًا، لا يحتجز منها إلا أقل من طن واحد. وهذه هي الفجوة التي يسعى بحثنا إلى معالجتها.

يعد احتجاز الكربون واستخدامه وتخزينه عنصرًا أساسيًا في العديد من المسارات الرامية إلى تحقيق صافي انبعاثات صفري، لا سيما في ما يتعلق بالانبعاثات الصناعية صعبة الخفض والتي تتطلب إزالة ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي. ومع ذلك، وعلى الرغم من عقود من البحث العلمي، وتزايد الحاجة الملحة إلى سياسات مناخية أكثر فاعلية، وضخ مليارات الدولارات من التمويل العام، لا يزال تطبيق تقنيات احتجاز الكربون على نطاق صناعي محدودًا للغاية مقارنةً بما تتطلبه جهود الحدّ من تغير المناخ، فضلًا عن الإسهام مستقبلًا في عكس آثاره. 

وغالبًا ما يُعزى هذا التأخر إلى عاملين رئيسيين، هما التكلفة ومستوى نضج التكنولوجيا. وهما بالفعل عاملان مهمان، إلا أن اختزال المشكلة فيهما وحدهما لا يقدم صورة كاملة عن الوضع. 

وقد حظي بحثنا بعنوان “التطورات الكيميائية المحفزة لتقنيات احتجاز الكربون الصناعية”، والمنشور في مجلة “نيتشر ريفيوز كيميستري”، بتقدير جائزة فرونتيرز بلانيت لأنه يسلط الضوء على مشكلة أكثر جوهرية، وهي أن هذا المجال ظل يطرح السؤال الخطأ. فالسؤال الحقيقي ليس: “هل هذه التكنولوجيا جاهزة؟”، بل: “هل هذه التكنولوجيا مناسبة لهذا التطبيق الصناعي تحديدًا في ظل هذه الظروف التشغيلية وضمن هذا الإطار التنظيمي والسوقي؟” 

وهذا هو الفرق الجوهري؛ فتجاهله كان أحد الأسباب المباشرة وراء بطء نشر هذه التقنيات على أرض الواقع.

إطار عملي للتحديات والتطبيقات الواقعية

يقدم بحثنا إطارًا عمليًا لصنع القرار يربط، وللمرة الأولى، بين ثلاثة عناصر غالبًا ما جرى التعامل معها بصورة منفصلة: (أ) طبيعة الانبعاثات التي تنتجها كل عملية صناعية، بما في ذلك تركيز ثاني أكسيد الكربون في الغازات المنبعثة ودرجة حرارتها وضغطها، (ب) وأداء خمس فئات رئيسية من تقنيات احتجاز الكربون عند تقييمها وفق تسعة معايير موحدة، (ج) مدى نضج الأساس الكيميائي لكل تقنية، والتطبيقات التي يمكن تطويرها بصورة واقعية.

ومن خلال جمع هذه الأبعاد في تحليل واحد، يوفر البحث للصناعة وصناع السياسات أداة لم تكن متاحة لهم سابقًا: إطارًا منظمًا يساعدهم على تحديد تقنية احتجاز الكربون الأنسب لكل تحدٍ صناعي محدد، بدلًا من التعامل مع هذه التقنيات باعتبارها حلولًا عامة تصلح لجميع الحالات.

كما يحدد البحث، الذي شارك في تأليفه كل من البروفيسورة مرسيدس ماروتو فالير، والبروفيسور جون أندرسن، والدكتورة جيني تان من جامعة هيريوت وات، وجواو أوراتاني من جامعة ساسكس، بعدًا آخر لفجوة التطبيق يتمثل في جاهزية التبني.

فحتى عندما تكون التكنولوجيا المناسبة متاحة للتطبيق الصحيح، قد يفشل نشرها إذا لم تكن المنظومة المحيطة بها جاهزة، بما يشمل التشريعات، والبنية التحتية، والتمويل، والقبول المجتمعي. ومن هنا، فإن تمويل البحوث والتطوير التكنولوجي من دون بناء منظومة قادرة على دعم التبني والتطبيق التجاري يظل نهجًا غير كاف، وقد يقود إلى الفشل. لذلك، يتعين على الحكومات والقطاع الصناعي الاستثمار في المسارين معًا وبشكل متوازٍ.

صعود تقنيات جديدة

برزت من بين النتائج التقنية التي توصل إليها بحثنا تقنية احتجاز الكربون بالتأرجح الكهربائي، باعتبارها أحد المسارات الواعدة والمهمة. فعلى عكس التقنيات التقليدية التي تعتمد على التجديد الحراري، وهو نهج يستهلك كميات كبيرة من الطاقة، تعمل هذه التقنية في ظروف درجات الحرارة والضغط المحيطة، وتستخدم الكهرباء بدلًا من الحرارة لالتقاط ثاني أكسيد الكربون وإطلاقه من الهواء.

كما أن هذه التقنية مصممة لالتقاط تركيزات منخفضة للغاية من ثاني أكسيد الكربون، ما يجعلها من أبرز الحلول الواعدة لإزالة الكربون من الغلاف الجوي.

وفي هذا السياق، طورت شركة “فيردوكس”، المنبثقة عن معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا الذي درس فيه الدكتور غريفيث، تقنية تعمل بالكهرباء بالكامل لاحتجاز ثاني أكسيد الكربون من الهواء مباشرة ومن مصادر الانبعاثات الصناعية. وتفيد الشركة بأن هذه التقنية تستهلك طاقة أقل بكثير من الأنظمة التقليدية القائمة على التجديد الحراري، مع إمكانية خفض استهلاك الطاقة بنسبة تصل إلى 70 في المئة. كما اختبرت الشركة التقنية على غازات عادمة صناعية معقدة وذات تركيز منخفض من ثاني أكسيد الكربون، مثل الغازات الناتجة عن مصاهر الألومنيوم.

ورغم أن هذه النتائج مشجعة، فإن التقنية لا تزال في مراحل التجارب والتوسع التدريجي، في طريقها نحو انتشار تجاري أوسع.

أثر يوازي حجم الأزمة

تكمن الأهمية العملية للإطار الذي يقدمه بحثنا في قابليته للاستخدام من قبل طيف واسع من الجهات المعنية بالاستدامة البيئية. فمصانع الصلب، وشركات الكيماويات، والمستثمرون، وصناع السياسات، يمكنهم جميعًا الاستفادة منه لتحديد التقنية الأكثر ملاءمة لسياقاتهم، وفهم التطورات الكيميائية التي تقوم عليها هذه الحلول.

وتأتي أهمية هذا العمل في لحظة لا تحتمل التأجيل. فحتى لو توقف العالم غدًا عن جميع انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الناتجة عن النشاط البشري، فقد لا يكون ذلك كافيًا لحل مشكلة تغير المناخ. فما لا يدركه كثيرون هو أننا سنظل بحاجة إلى التعامل مع كميات ثاني أكسيد الكربون التي تراكمت بالفعل في الغلاف الجوي، إذا أردنا إعادة مستويات ثاني أكسيد الكربون إلى ما كانت عليه قبل العصر الصناعي.

وبالنسبة إلى عدد من الصناعات، يعد احتجاز الكربون الخيار العملي الوحيد للوصول إلى عمليات تشغيلية بصافي انبعاثات صفري حقيقي. ومع ذلك، لا يزال التقدم في هذا المجال أبطأ من المطلوب. ويعد الالتقاط المباشر لثاني أكسيد الكربون وتمعدنه، وهما من الحلول التي يبرزها بحثنا، ركيزتين أساسيتين ضمن جهود إزالة ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي. 

إن ثمن الاستمرار في نشر التكنولوجيا غير المناسبة في المكان غير المناسب، أو تمويل البحوث والتطوير من دون بناء المنظومة التي تسمح بتحويل الابتكار إلى تطبيق تجاري لا يقاس بالدولارات فحسب، بل بمليارات الأطنان من ثاني أكسيد الكربون التي تبقى في الغلاف الجوي، وبأضرار بيئية ناجمة عن الاحترار العالمي قد لا يكون من الممكن عكسها.

ما الذي يجب أن يحدث الآن؟

نعتز بالدور الذي أداه بحثنا في نقل علم “حدود الكوكب” من مرحلة توصيف المخاطر إلى مرحلة تقديم حلول عملية قابلة للتطبيق. غير أن الحل لا يكمن في العلم وحده. إذ يتمثل التحدي اليوم في ردم الفجوة بين المعرفة العلمية المتاحة وبين بطء استجابة الصناعات والسياسات العامة لتبنيها. 

إنها فجوة يمكن ردمها، لكن نافذة الوقت تضيق تدريجيًا. 

تتوفر تفاصيل الإطار العملي والنتائج الكاملة للبحث من خلال الورقة المنشورة في مجلة “نيتشر ريفيوز كيميستري” عبر الرابط:  www.nature.com/articles/s41570-025-00733-3.

تم إعداد هذه المقالة لصالح CNN الاقتصادية، والآراء الواردة فيها تمثّل آراء الكاتب فقط ولا تعكس أو تمثّل بأي شكل من الأشكال آراء أو وجهات نظر أو مواقف شبكة CNN الاقتصادية.

 



Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى