

بعد فترة طويلة من الرهان على خفض أسعار الفائدة، يبدو أن المشهد النقدي العالمي دخل مرحلة مختلفة، التضخم عاد ليشكل تحدياً أكثر إلحاحاً، خصوصاً مع ارتفاع أسعار الطاقة واستمرار الضغوط الجيوسياسية، فيما لا تزال اقتصادات كبرى أكثر صموداً مما كان متوقعاً.
هذا السؤال مهم بشكل خاص بعد التحركات الأخيرة للاحتياطي الفيدرالي الأميركي، والبنك المركزي الأوروبي، وبنك اليابان، في وقت اختار فيه بنك إنجلترا الإبقاء على الفائدة مع وجود أعضاء داخل لجنة السياسة النقدية صوتوا لصالح رفعها.
حتى وقت قريب، كانت الأسواق تتوقع أن تكون المرحلة التالية من السياسة النقدية العالمية مرتبطة بخفض الفائدة، لكن ارتفاع أسعار الطاقة، واستمرار التضخم فوق المستويات المستهدفة، وقوة بعض الاقتصادات، أعادت سيناريو رفع الفائدة إلى الواجهة.
في سبتمبر رفع الاحتياطي الفيدرالي الأميركي سعر الفائدة 25 نقطة أساس إلى نطاق 3.75%-4%، في أول رفع منذ أكثر من ثلاث سنوات، وفي أوروبا رفع البنك المركزي الأوروبي معدلاته الرئيسية 25 نقطة أساس، ليصل سعر الفائدة على تسهيلات الإيداع إلى 2.50%، أما بنك اليابان فرفع سعر الفائدة إلى 1.25%، وهو أعلى مستوى له منذ 31 عاماً.
واللافت أن هذه التحركات تأتي في بيئة اقتصادية مختلفة عن 2022، التضخم لم يعد ناتجاً فقط عن اختناقات سلاسل الإمداد والطلب القوي بعد الجائحة، بل أصبحت الطاقة والجغرافيا السياسية والإنفاق الحكومي وأسواق العمل عوامل إضافية يمكن أن تبقي الأسعار مرتفعة.
وهنا تكمن الصعوبة، هل يمكن أن تعود الفائدة الأميركية إلى 5%؟ هذا أحد أكثر الأسئلة إثارة للجدل حالياً.
لكن 5% ليست توقعاً مؤكداً، بل سيناريو يعتمد على مسار التضخم والطاقة والنمو وسوق العمل.
وهذا تمييز مهم، لأن الوصول إلى 5% في دورة جديدة سيكون مختلفاً عن مجرد رفع الفائدة مرة أو مرتين، كل زيادة إضافية تعمل على تشديد الأوضاع المالية، ورفع تكلفة خدمة الديون، والضغط على الاستهلاك والاستثمار وأسواق الأصول.
بمعنى آخر: كلما اقتربت الفائدة من مستويات مرتفعة، تصبح تكلفة الخطأ في السياسة النقدية أكبر.
لماذا قد ترفع البنوك المركزية الفائدة أكثر؟
هناك ثلاثة أسباب رئيسية.
أولاً: التضخم لا يزال أعلى من الهدف
البنك المركزي الأوروبي، مثلاً، يتوقع أن يبلغ التضخم في منطقة اليورو متوسط 3% في 2026، و2.5% في 2027، قبل الاقتراب من 2% في 2028، وفي بريطانيا ارتفع التضخم إلى 3.1% في أغسطس، فيما حذر بنك إنجلترا من أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة قد يزيد الضغوط التضخمية.
ثانياً: صدمة الطاقة قد تتحول من مشكلة مؤقتة إلى تضخم أكثر استدامة
ارتفاع النفط لا يعني فقط بنزيناً أغلى؛ بل ينتقل تدريجياً إلى تكاليف النقل والإنتاج والخدمات والغذاء، وقد يؤدي في مرحلة لاحقة إلى ارتفاع توقعات التضخم والأجور.
ثالثاً: بعض الاقتصادات ما زالت قادرة على تحمل فائدة أعلى
وهذه نقطة مهمة، لو كانت الاقتصادات الكبرى في حالة ركود عميق، لكان رفع الفائدة أكثر صعوبة، لكن البيانات الحالية تشير إلى أن النشاط الاقتصادي ما زال أكثر مرونة من المتوقع في بعض الاقتصادات، الأمر الذي يمنح البنوك المركزية مساحة أكبر للتركيز على التضخم.
لكن إلى أين يمكن أن تصل الفائدة؟ لا توجد نسبة سحرية يمكن القول عندها إن البنوك المركزية «يجب» أن تتوقف.
المستوى النهائي يعتمد على ما يسمى عملياً سعر الفائدة المحايد، والتضخم الأساسي، وسوق العمل، والنمو، والائتمان، وأسعار الطاقة، وتوقعات التضخم.
ولهذا قد نرى سيناريوهات مختلفة:
إذا هدأت أسعار الطاقة والتضخم: قد تتوقف البنوك المركزية بعد زيادات محدودة وتدخل مرحلة انتظار.
إذا بقي التضخم مرتفعاً: قد نشهد زيادات إضافية بمقدار 25 نقطة أساس في كل اجتماع أو بعض الاجتماعات.
إذا حدثت صدمة تضخمية قوية ومستمرة: يصبح سيناريو الفائدة فوق 5% في الولايات المتحدة أكثر قابلية للنقاش.
إذا بدأ الاقتصاد بالتباطؤ بسرعة: قد تتوقف دورة الرفع قبل الوصول إلى تلك المستويات، حتى لو ظل التضخم فوق الهدف.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس «هل سنصل إلى 5%؟» بل «ما الذي سيحدث للتضخم والنمو والأسواق إذا وصلنا إلى هناك؟».




