شؤون عربية ودولية

كيف تعيد «الاتحاد للقطارات» رسم خريطة الاستثمار والنمو في دولة الإمارات؟ : CNN الاقتصادية



على مدى معظم السنوات العشر الماضية، ارتبطت «الاتحاد للقطارات» في أذهان الكثيرين بمشروع بنية تحتية طموح لا يزال قيد الإنجاز. لكن هذا المشهد تغير مع انطلاق أول خدمة ركاب وطنية مجدولة في 30 يونيو حزيران، تربط أبوظبي بالفجيرة. وقبل بدء الخدمة، تجاوز عدد التذاكر المبيعة 10 آلاف تذكرة، فيما ستتوسع خدمات الركاب إلى دبي والذيد في سبتمبر أيلول، على أن تنضم إليها محطات أخرى في مراحل لاحقة.

وبذلك، دخلت شبكة السكك الحديدية الوطنية مرحلة جديدة. فلم يعد السؤال الأساسي هو ما الذي يجري بناؤه، بل ما الذي أصبح ممكناً بفضل هذه الشبكة؟

ومن واقع خبرتنا في تصميم مشاريع البيئة العمرانية وهندستها وتنفيذها، نرى أن القيمة الحقيقية للأصول الكبرى لا تتحدد عند لحظة افتتاحها، بل بما تتيحه من فرص جديدة على مدى عمرها التشغيلي. فالأصل الناجح هو الذي يغيّر قرارات الشركات والمطورين والأفراد من حوله، ويفتح المجال أمام أنشطة اقتصادية وتنموية لم تكن ممكنة أو مجدية بالقدر نفسه من قبل.

وهذا تحديداً ما يجعل «الاتحاد للقطارات» أكثر من مجرد مشروع للنقل. فمع توسع الشبكة، يمكن أن تسهم في إعادة رسم الخريطة الاقتصادية للدولة؛ من مواقع المنشآت الصناعية والمراكز اللوجستية، إلى خيارات السكن والعمل، وصولاً إلى مناطق جديدة يمكن أن تصبح وجهات للاستثمار والنمو.

من البنية التحتية إلى الأثر الاقتصادي

أُطلق برنامج الإمارات للسكك الحديدية باستثمارات تبلغ 50 مليار درهم، ومن المتوقع أن يسهم في توليد فرص اقتصادية بقيمة 200 مليار درهم. وتعكس هذه الأرقام حجم الطموح المرتبط بالمشروع، لكن القيمة الاقتصادية الكاملة للشبكة لن تتحدد عند بدء تشغيلها، بل ستتبلور على مدى عقود من خلال الصناعات والمجتمعات وفرص الاستثمار التي ستنشأ حولها.

وهنا يظهر ما يمكن أن نسميه «مضاعف البنية التحتية».

فالبنية التحتية لا تخلق القيمة من خلال الخدمة التي تقدمها مباشرة فحسب، وإنما من خلال القرارات الاقتصادية التي تجعلها ممكنة. وقد شهدت دولة الإمارات أمثلة واضحة على ذلك. فميناء جبل علي، الذي افتُتح عام 1979، لم يبقَ مجرد منشأة للنقل البحري؛ بل أسهم، مع تطور المنطقة الحرة، في نشوء منظومة متكاملة من التجارة والصناعة والخدمات اللوجستية، لتصبح المنطقة المحيطة به محركاً رئيسياً للنشاط الاقتصادي.

والمرجح أن يمتد هذا الأثر إلى شبكة السكك الحديدية الوطنية نفسها، ولكن على نطاق جغرافي أوسع.

فعمليات الشحن تعيد بالفعل تشكيل منظومة نقل البضائع السائبة والشحنات الصناعية عبر الدولة. ومع توسع خدمات الركاب، سيتسع أيضاً نطاق الوصول العملي إلى أماكن العمل والدراسة والاستثمار والترفيه.

ومع تحسن القدرة على التنبؤ بأوقات الرحلات وتعزيز الاتصال بين مختلف المناطق، ستعيد الشركات تقييم مواقع منشآتها، وسيصبح بإمكان أصحاب الأعمال الوصول إلى قاعدة أوسع من الكفاءات، فيما قد تتغير حسابات المطورين بشأن الأراضي الواقعة خارج المراكز الحضرية القائمة.

وهنا سيظهر الأثر الحقيقي لهذا المضاعِف. فعدد الكيلومترات التي تنجزها الشبكة مهم، لكن المقياس الأهم لنجاحها سيكون حجم النشاط الاقتصادي الجديد الذي تجعله الشبكة ممكناً.

خريطة جديدة للصناعة والاستثمار

تاريخياً، تركز النشاط الصناعي واللوجستي حول الموانئ والطرق السريعة والمدن الكبرى. أما السكك الحديدية، فتضيف بُعداً جديداً إلى هذه الخريطة، من خلال ربط هذه المراكز ضمن منظومة نقل أكثر تكاملاً.

فالمواقع التي تتمتع باتصال مباشر بالشبكة الوطنية يمكن أن تصبح أكثر جاذبية للتصنيع والتخزين والمعالجة والتوزيع، ولا سيما عندما تتكامل السكك الحديدية مع الموانئ وشبكات الطرق ومراكز الخدمات اللوجستية.

وبالنسبة إلى المستثمرين، سيظل القرب من الأسواق ومصادر الطلب عاملاً أساسياً، لكن الاتصال بمنظومة لوجستية أوسع سيصبح عاملاً أكثر تأثيراً في قرارات اختيار المواقع.

ومع مرور الوقت، يمكن لهذا الترابط أن يسهم في نشوء تجمعات اقتصادية جديدة حول محاور الشبكة، تستقطب الموردين والخدمات المتخصصة والكوادر المؤهلة، وتدعم نمو بعضها بعضاً ضمن منظومات اقتصادية أكثر تكاملاً.

أما على صعيد نقل الركاب، فقد يختلف الأثر في شكله، لكنه يظل مماثلاً في جوهره. فسهولة التنقل توسع نطاق الوصول إلى سوق العمل، وتمنح قطاع السياحة قدرة أكبر على تطوير مسارات مترابطة بين إمارات الدولة، كما تتيح للأفراد الوصول إلى فرص تعليمية ومهنية كانت تتطلب في السابق وقتاً أطول أو ترتيبات أكثر تعقيداً.

ولهذا، لا ينبغي النظر إلى المحطة باعتبارها نقطة وصول ومغادرة فقط. فكل محطة يمكن أن تصبح نقطة ارتكاز لنشاط اقتصادي أوسع، إذا جرى التخطيط للنقل المحيط بها، واستخدامات الأراضي، والتطوير العمراني، والخدمات العامة باعتبارها أجزاء مترابطة من منظومة واحدة.

المرونة جزء من قيمة الأصل

إذا كانت السكك الحديدية ستعيد تشكيل الخريطة الاقتصادية للدولة لعقود، فلا بد أن تكون قادرة على مواكبة الظروف التي قد تواجهها طوال هذه الفترة.

وقد أظهرت الظروف الجوية الاستثنائية التي شهدتها دولة الإمارات في عام 2024 مدى السرعة التي يمكن بها للظروف الجوية المتطرفة أن تختبر أنظمة النقل وتصريف مياه الأمطار والمنظومات الحضرية.

وفي أحد أجزاء ممر السكك الحديدية الرابط بين دبي والشارقة، تعمل فرق البنية التحتية التابعة لإنوفو على تنفيذ حل متكامل يهدف إلى إدارة مياه الأمطار والحد من مخاطر الفيضانات وإبعادها عن مسار السكك الحديدية.

وقد يبدو هذا التدخل تقنياً ومحدداً في نطاقه، لكنه يعكس مبدأً أوسع نراه ضرورياً في مشاريع البنية التحتية الحديثة: الأصل لا ينبغي أن يُصمم فقط للظروف التي نعرفها اليوم، بل للظروف التي قد يواجهها طوال عمره التشغيلي.

ومن منظورنا في إنوفو، لم تعد المرونة معياراً إضافياً يمكن إضافته إلى المشروع عند الحاجة، بل أصبحت جزءاً أساسياً من جودة الأصل نفسه.

وهذا مهم بصورة خاصة في حالة «الاتحاد للقطارات»، لأن الشبكة تتحول تدريجياً إلى ركيزة من ركائز الاقتصاد الوطني. وستؤثر موثوقيتها ليس فقط في حركة الشحن وثقة الركاب، بل أيضاً في قرارات الاستثمار التي ستنشأ حولها.

لذلك، لا ينبغي أن تقتصر المرونة على مسار السكك الحديدية، بل يجب أن تمتد إلى شبكات تصريف المياه، والطرق، ووسائل النقل العام، والخدمات، والبنية التحتية التي تربط المحطة بالوجهة النهائية.

فكلما أصبحت الشبكة أكثر أهمية للاقتصاد، أصبحت حماية استمرارية عملها مسؤولية تتجاوز حدود السكك الحديدية نفسها.

من شبكة نقل إلى منظومة تنمية

يقدم خط مترو دبي الذهبي مثالاً واضحاً على المرحلة التالية من تطور شبكة النقل في الدولة: الانتقال من الربط بين وجهات منفصلة إلى تكامل منظومات النقل والتنمية الحضرية. فمن خلال نقاط التكامل المعلنة مع «الاتحاد للقطارات» في ميدان و«جميرا غولف إستيتس»، سيرتبط الخط بمنظومة السكك الحديدية الوطنية، بما يعزز الاتصال بين شبكة النقل الحضري في دبي والشبكة الوطنية الأوسع.

لكن قيمة هذا التكامل لن تتحدد بالربط الهندسي وحده.

فشبكة الطرق المحيطة، ووسائل النقل العام، والتطوير السكني، والنشاط التجاري، وجودة المساحات العامة، كلها عوامل ستحدد مقدار القيمة الاقتصادية والاجتماعية التي يمكن أن تنشأ حول نقاط التكامل هذه.

وينطبق المبدأ نفسه على امتداد الشبكة الوطنية بأكملها. إذ يمكن للمحطات أن تصبح نقاط ارتكاز لنشوء تجمعات اقتصادية وحضرية جديدة، لكن ذلك لن يحدث تلقائياً. فهو يتطلب مواءمة تخطيط النقل مع استخدامات الأراضي، والمرافق، والخدمات، والمساحات العامة، وحركة التنقل المحلية.

وهنا تبرز أهمية التنسيق بين الجهات الحكومية وهيئات النقل والبلديات والمطورين وشركاء تنفيذ مشاريع البنية التحتية. فكل طرف يمتلك جزءاً من منظومة النتائج، ولا يمكن تعظيم قيمة الأصل إذا جرى التخطيط لكل جزء بمعزل عن الأجزاء الأخرى.

وقد نجحت دولة الإمارات في هذا النهج من قبل.

فالموانئ لم تواكب نمو التجارة فحسب، بل أسهمت في إنشاء منظومات تجارية وصناعية حولها. والمطارات لم تخدم حركة المسافرين فقط، بل دعمت قطاعات الطيران والسياحة والاستثمار الدولي. كما أسهمت الطرق في فتح مناطق جديدة للنمو تحولت لاحقاً إلى مراكز اقتصادية قائمة بذاتها.

واليوم، تمتلك السكك الحديدية الوطنية فرصة لبناء أثر مماثل على نطاق مختلف: ليس فقط من خلال ربط المدن، وإنما من خلال ربط فرص النمو نفسها.

ماذا سنبني حول الشبكة؟

أعتقد أن النقاش حول «الاتحاد للقطارات» سيتغير خلال السنوات المقبلة. فمع انتقال الشبكة من مرحلة الإنشاء إلى التشغيل والتوسع، سيتحول التركيز تدريجياً من مسار السكك الحديدية نفسه إلى الفرص الاقتصادية والتنموية التي يمكن أن تنشأ حوله.

لن يكون السؤال الأكثر أهمية هو: أين يمر خط السكك الحديدية؟

بل سيكون:

ماذا سنبني حوله؟

فالإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد القيمة الاقتصادية طويلة الأجل للشبكة.

فإذا أحسنا التخطيط، يمكن أن تتحول ممرات السكك الحديدية إلى ممرات للصناعة والاستثمار، وأن تصبح المحطات نقاط ارتكاز للنشاط الاقتصادي والعمراني، وأن يصبح الوصول إلى فرص العمل والخدمات أكثر سهولة لملايين الأشخاص.

ومن ثم، فإن نجاح «الاتحاد للقطارات» لا ينبغي أن يُقاس فقط بحجم الشحن الذي تنقله أو عدد الركاب الذين يستفيدون من خدماتها، على الرغم من أهمية كلا المؤشرين. بل يجب أن نقيسه أيضاً بما تنشئه الشبكة من فرص جديدة، واستثمارات جديدة، ومجتمعات أكثر ترابطاً، واقتصاد أكثر مرونة.

وهذا، في نهاية المطاف، هو الدور الذي يمكن أن تؤديه البنية التحتية عندما تُصمم باعتبارها أكثر من مجرد أصل مادي.

فالقيمة الحقيقية للشبكة لن تتوقف عند المحطة. ستظهر في المصانع التي ستُبنى حولها، والشركات التي ستستثمر بالقرب منها، والمجتمعات التي ستتوسع بفضلها، والفرص التي ستصبح ممكنة مع ازدياد ترابط دولة الإمارات واتصالها.

وهنا تكمن الفرصة الأكبر أمام «الاتحاد للقطارات»: ألا تكون مجرد شبكة تنقل الناس والبضائع بين نقاط على الخريطة، بل أن تصبح جزءاً من البنية التي تعيد رسم الخريطة الاقتصادية نفسها.

تم إعداد هذه المقالة لصالح CNN الاقتصادية، والآراء الواردة فيها تمثل آراء الكاتب فقط، ولا تعكس أو تمثل بأي شكل من الأشكال آراء أو وجهات نظر أو مواقف شبكة CNN الاقتصادية.



Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى