

فالمبادرة، التي تشمل جمع البيانات والتأكد من جودتها ودقتها وانسيابها وتعزيز الاستخدام المسؤول لها، تمثل خطوة نوعية في مسيرة التحول نحو اقتصاد رقمي قائم على البيانات والذكاء الاصطناعي، وتنسجم مع الرؤية الملكية السامية التي أرادت للأردن أن يكون دولة متقدمة تكنولوجياً، تتمتع باقتصاد ومجتمع رقمي مزدهر، وقادرة على المنافسة في عالم يتسارع فيه التطور المعرفي على نحو غير مسبوق.
ولم تأتِ هذه المبادرة من فراغ، بل هي امتداد لمسار واضح رسمته القيادة الهاشمية؛ إذ جاء تشكيل المجلس الوطني لتكنولوجيا المستقبل بتكليف من جلالة الملك عبد الله الثاني، وبمتابعة حثيثة من سمو ولي العهد، الذي أكد في أكثر من مناسبة أهمية ربط قواعد البيانات الحكومية وتوحيدها، وتطوير الثقافة المؤسسية تجاه استخدام البيانات وإدارتها، ومراعاة الدقة في تسجيلها بما ينعكس على جودة الخدمات المقدمة للمواطنين ويسهّل وصولهم إليها.
وتكتسب المبادرة أهميتها من حقيقة باتت راسخة في الاقتصاد العالمي المعاصر، وهي أن البيانات أصبحت المادة الخام لاقتصاد المعرفة، وأن أي توظيف ناجح لتقنيات الذكاء الاصطناعي يبقى رهيناً بجودة البيانات التي يقوم عليها، فالدول التي سبقت غيرها في هذا الميدان لم تبدأ باقتناء التقنيات الحديثة، وإنما ببناء قاعدة بيانات وطنية موثوقة ومترابطة، تشكّل الأرضية الصلبة لكل ما يُبنى عليها من مشاريع وسياسات.
ومن هنا، فإن الحرص على جمع البيانات وفق معايير موحدة يضع حداً لتشتتها بين مؤسسات تعمل منفصلة، فيما يضمن التحقق من جودتها ودقتها أن تُبنى القرارات على أسس سليمة، لأن البيانات غير الدقيقة قد تكون أشد ضرراً من غيابها، أما انسيابية البيانات بين المؤسسات بأمان وسلاسة، فتعني أن المواطن لن يُطالب بالوثيقة ذاتها مرات متعددة لدى جهات حكومية مختلفة، وأن الخدمة ستصله أسرع وأيسر، ويبقى الاستخدام المسؤول للبيانات صمام الأمان لهذه المنظومة، إذ لا يستقيم اقتصاد رقمي لا يصون خصوصية الأفراد ولا يحظى بثقة المجتمع.
غير أن نجاح المبادرة يتطلب تضافر الجهود على أكثر من صعيد؛ فهو يستدعي ترسيخ ثقافة مؤسسية ترى في البيانات أصلاً وطنياً مشتركاً لا ملكية خاصة لكل جهة، ويستلزم إطاراً تشريعياً واضحاً يحمي الخصوصية ويطمئن المواطن والمستثمر على حد سواء، إلى جانب منظومة أمن سيبراني متينة تحمي هذه الثروة من أي تهديد، كما يتطلب الاستثمار في الكفاءات الوطنية، وتأهيل جيل من المختصين في تحليل البيانات وهندسة الذكاء الاصطناعي، وتمكين القيادات الحكومية من أدوات العصر، مع اعتماد مؤشرات أداء واضحة تتيح متابعة التقدم وقياس أثره على حياة المواطنين.




